قراءة في مفهوم الجندر عند جوديث بتلر
صراحة نيوز- بقلم: د. منى النحلاوي
في كثير من المجتمعات، نلاحظ ظاهرة اجتماعية تتمثل في ميل بعض الأمهات إلى منح الابن الذكر مكانة خاصة، باعتباره مصدرًا للأمان والسند والامتداد المستقبلي. وقد يبدو هذا الميل في ظاهره تعبيرًا عن حب طبيعي، إلا أن فهمه بعمق يحتاج إلى النظر إلى الأفكار الاجتماعية التي شكلت صورة الذكر والأنثى عبر الأجيال.
فالقضية ليست في حب الأم لابنها، فهذا الحب غريزة إنسانية عميقة، وإنما في المعاني التي يحمّلها المجتمع لهذا الابن؛ عندما يصبح الذكر رمزًا للحماية والقوة والمسؤولية، بينما تُربط الأنثى بصورة الرعاية أو التبعية، فإن هذه التصورات لا تبقى خارج الأسرة، بل تدخل إلى وعي الأم وتؤثر في طريقة رؤيتها لأبنائها.
وهنا يأتي مفهوم الجندر الذي تناولته الفيلسوفة Judith Butler، حيث ترى أن الأدوار المرتبطة بالذكورة والأنوثة ليست مجرد انعكاس للبيولوجيا، بل هي أدوار اجتماعية يتم تشكيلها وتكرارها عبر الثقافة والعادات والتوقعات حتى تبدو وكأنها طبيعية وثابتة.
ومن هذا المنطلق، فإن الاعتقاد بأن الابن الذكر هو “السند” أو “الحامي” ليس بالضرورة حقيقة فطرية، بل قد يكون نتيجة لتنشئة اجتماعية طويلة رسخت في الوعي الجمعي فكرة أن الرجل يمتلك أدوار القوة والقيادة والحماية، بينما تُدفع المرأة أحيانًا إلى موقع الحاجة إلى هذا الدعم.
وقد تنقل الأم، دون وعي منها، هذه الأفكار التي نشأت عليها إلى علاقتها بأبنائها. فالأم التي عاشت في مجتمع منح الذكر مساحة أكبر من الحرية والقرار، وربط مستقبله بالنجاح والمكانة، قد ترى في ابنها امتدادًا لهذه الصورة الاجتماعية، فتمنحه حماية أكبر أو تعلق عليه آمالًا تتجاوز كونه إنسانًا له شخصيته الخاصة.
لكن هذه النظرة لا تؤثر على الأنثى فقط، بل تؤثر أيضًا على الذكر. فعندما يتعلم الابن منذ الصغر أن قيمته مرتبطة بكونه ذكرًا، وأن عليه دائمًا أن يكون قويًا ومسؤولًا وغير قابل للضعف، فإنه قد يجد نفسه محاصرًا داخل صورة اجتماعية لا تسمح له بالتعبير عن مشاعره أو طلب المساندة عندما يحتاج إليها.
وهنا تكمن أهمية الوعي النقدي؛ فالعدالة داخل الأسرة لا تعني إلغاء الاختلاف بين الأبناء، وإنما تعني ألا يتحول الاختلاف البيولوجي إلى ترتيب للقيمة الإنسانية. فالابن ليس أكثر استحقاقًا للحب لأنه ذكر، والابنة ليست أقل قدرة على أن تكون مصدرًا للأمان والدعم لأنها أنثى.
إن تحرير الأسرة من الصور النمطية لا يبدأ برفض دور الرجل أو التقليل من دور المرأة، بل يبدأ بإعادة تعريف الإنسان بعيدًا عن القوالب الجاهزة. فالإنسان يُقاس بأخلاقه، ومسؤوليته، وقدرته على العطاء، وليس بجنسه البيولوجي.
إن الأسرة التي تربي أبناءها على العدالة لا تصنع فقط أبناءً أكثر توازنًا، بل تصنع مجتمعًا أكثر إنسانية؛ مجتمعًا لا يحتاج فيه أحد إلى امتيازات موروثة ليشعر بقيمته، ولا يحتاج فيه الآخر إلى إثبات ذاته لكسر قيود فُرضت عليه.
فالعدالة تبدأ داخل الأسرة… عندما نربي أبناءنا على أن قيمة الإنسان تُبنى بأخلاقه ومسؤوليته، لا بجنسه البيولوجي.
وسؤالي لكم أعزائي القراء:
هل ترون أن نظرة بعض الأمهات إلى الابن الذكر باعتباره “السند” هي تعبير عن غريزة طبيعية، أم أنها صورة اجتماعية تعلمناها وأعدنا إنتاجها عبر الأجيال؟
د. منى النحلاوي
من مشروع: العدالة الإنسانية والوعي الناقد

