صراحة نيوز- د. منى النحلاوي
تقوم فلسفة جان بول سارتر على فكرة أساسية مفادها أن الوجود يسبق الماهية، وهي حجر الأساس في فلسفته الوجودية، ويقصد سارتر بذلك أن الإنسان لا يولد حاملاً تعريفًا ثابتًا أو جوهرًا جاهزًا يحدد من يكون، لكن يوجد أولًا في هذا العالم، ثم يصنع معناه وهويته من خلال أفعاله واختياراته، وبل يتحمل مسؤولية هذه الاختيارات.
فالإنسان عند سارتر ليس مجرد نتيجة للظروف المحيطة به، ولا مجرد انعكاس لما ورثه من أفكار وتقاليد، بل هو كائن قادر على الاختيار الواعي ، وهذه الحرية لا تعني غياب القيود أو إنكار تأثير البيئة والمجتمع، وإنما تعني أن الإنسان يمتلك القدرة على تحديد موقفه من هذه الظروف، ولا يستطيع الهروب من مسؤوليته تجاه حياته وقراراته.
لكن هذه الحرية تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في (نظرة الآخر) فالآخر قد يكون المجتمع، أو التقاليد، أو السلطة الثقافية، أو القوالب الجندرية التي تحدد مسبقًا كيف يجب أن يكون الإنسان.(وهنا) تأتي مقولة سارتر الشهيرة: “الجحيم هو الآخر”، ليس لأن وجود الآخرين شر بحد ذاته، بل لأن نظرة الآخر قد تختزل الإنسان وتحوله إلى صورة ثابتة أو صفة جاهزة، بدلًا من رؤيته ككائن حر قادر على التغير والاختيار.
فالمجتمع، عبرأفكاره ومؤسساته السائدة قد يحاول أحيانًا أن يمنح الإنسان ماهية جاهزة قبل أن يختارها بنفسه؛ فيقال له كيف يفكر، وما الدور الذي ينبغي أن يؤديه، وما الصفات التي يجب أن يحملها، بناءً على ما ورثه من تصورات اجتماعية وثقافية.
فالطفلة التي يُقال لها إن بعض الأحلام ليست لها لأنها أنثى، أو الطفل الذي يُمنع من التعبير عن مشاعره لأن المجتمع رسم له صورة محددة عن الرجولة، كلاهما يواجه تعريفًا جاهزًا يحاول الآخرون فرضه عليه قبل أن يكتشف ذاته بنفسه.
لكن سارتر يرى أن الإنسان لا يُختزل في هذه القوالب، فهو يمتلك القدرة على مراجعتها والتمرد عليها واختيار مساره الخاص. وهنا يظهر مفهوم “سوء النية” في الفلسفة السارترية؛ حين يخدع الإنسان نفسه ويتخلى عن حريته الداخلية، فيحوّل الظروف إلى مبرر دائم يعفيه من مسؤولية الاختيار، فيقول: “ما باليد حيلة”.
فقد يختبئ الإنسان خلف عبارات مثل: “أنا هكذا لأنني رجل”، أو “أنا هكذا لأنني امرأة”، وكأن الهوية الاجتماعية قدر نهائي لا يمكن مراجعته. بينما يرى الفكر الوجودي أن الإنسان مسؤول عن الطريقة التي يتعامل بها مع هذه الظروف، وعن المعنى الذي يمنحه لحياته.
فالحرية الحقيقية لا تعني أن يعيش الإنسان بلا قيم أو خارج كل إطار، بل تعني أن يختار بوعي، وأن يدرك أن قيمه ومواقفه ليست مجرد نسخة مما فرضه الآخرون عليه. فالإنسان لا يفقد انتماءه للمجتمع، لكنه يصبح شريكًا في تشكيل هذا المجتمع، وليس مجرد متلقٍ لتعريفاته.
ولعل أصعب القيود ليست تلك التي تُفرض علينا من الخارج، بل تلك التي نتبناها حتى تصبح جزءًا من رؤيتنا لأنفسنا. فعندما يفكر الإنسان خارج المألوف، قد يواجه الرفض، ليس لأنه أخطأ بالضرورة، بل لأنه خرج عن الصورة التي اعتادها الآخرون عنه.
إن الإنسانية، وفق هذا المنظور، تبدأ حين يدرك الإنسان أنه ليس مجرد ما قيل له إنه يكون، بل ما يختار أن يكونه فالظروف قد تؤثر فينا، وقد تضع أمامنا تحديات حقيقية، لكنها لا تلغي قدرتنا على الوعي والمراجعة وإعادة الاختيار.
فالحرية ليست طريقًا سهلًا؛ إنها مسؤولية وقلق، لأنها تضع الإنسان أمام نفسه دون أعذار جاهزة. لكنها في الوقت ذاته تمنحه فرصة أن يعيش حياة أكثر صدقًا مع ذاته لا الحياة التي رسمها الآخرون له.
وفي النهاية اطرح عليك عزيزي القاريء سؤالي:-
كم من اختياراتنا كانت فعلًا اختياراتنا؟ وكم منها كان صدى لصوت المجتمع داخلنا؟
فربما لا تكمن أكبر قيود الإنسان في الجدران التي تحيط به، بل في الأفكار التي أقنع نفسه بأنها حدوده.
من مشروع العداله الانسانيه والنقد الذاتي

