لارا العتوم .. وإيران .. من ضمن الهموم

8 د للقراءة
8 د للقراءة
لارا العتوم .. وإيران .. من ضمن الهموم

صراحة نيوز- عوض ضيف الله الملاحمة

منذ ( ٤٧ ) عاماً أشغلت إيران العالم ، وأقلقته ، على المستوى الرسمي ، والشعبي ، وحتى على مستوى الأفراد العاديين ، فكيف إذا كانوا باحثين ، ومؤلفين ، وكتّاب ، ومثقفين ؟

سعدت كثيراً عندما أهدتني الدكتورة / لارا علي العتوم نسخة من مولَّفها الأخير الذي يحمل عنوان (( إيران والشرق الأوسط )) ، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت .

بداية ، أرى انه من الضروري تقديم تعريفٍ مختصر عن مؤلِّفة الكتاب الدكتورة / لارا علي العتوم : فهي باحثة ، وكاتبة أردنية ، متخصصة في الشؤون العربية والإيرانية ، وتشارك بإنتظام كخبيرة ومحللة سياسية في وسائل الإعلام المحلية والعربية ، وتكتب مقالات رأي سياسية وفكرية تتناول الشؤون السياسية الإقليمية والمحلية والتحولات الإستراتيجية ، كما تكتب في صحيفة الدستور ومواقع الكترونية بارزة .

هذا العنوان الحيوي الذي يعني الكثير لأن إيران عاثت في الشرق الأوسط إرباكاً ، وتفجيراً ، وخلقت حالة من عدم الإستقرار خاصة في الأقطار العربية . يُحسب لإيران انها دعمت وساندت المقاومة الفلسطينية خلال فترة زمنية ، لكنها تخلّت عنها ، وساومت عليها ، وباعتها لتحصيل مكاسب لها أثناء تفاوضها مع الغرب . كما انه من الضروري ان لا يغيب عن البال ان دعمها للمقاومة الفلسطينية ليس (( غاية )) نبيلة بحد ذاته ، بل (( وسيلة )) لإستخدام أذرعها كوسائل ضغط ، وأوراق تفاوضية مع الغرب . وهذا واضح وجلي وقد أعلنته إيران منذ ان أعلن المقبور / الخميني عن نهجه لتصدير الثورة ، طبعاً مفهوم وواضح جداً الى اين إتجهت إيران لتصدير ثورتها . حيث توجهت الى ساحات الأقطار العربية التي إعتبرتها ميدانها ومبتغاها . لا لشيء الا لتخلق الإرباك والفوضى في الساحة العربية ، ولم تترك وسيلة خبيثة لتصدير ثورتها — المقصود بها نشر المذهب الشيعي — وانا لم ولن أكون طائفياً في يومٍ من الأيام . حيث بدأت إيران بتصدير ثورتها عن طريق إفتتاح مراكز سمّتها ثقافية ، وهي ليست الّا مراكز لنشر المذهب الشيعي في الخفاء . وقد تنبهت تونس والسودان وبعض الأقطار العربية قبل فوات الأوان ، وأمرت بإغلاقها . ولا يخفَ على المتابع ماحصل في الأردن قبل أكثر من عقدٍ من الزمان .

الدكتورة / لارا العتوم كباحثة ومؤلِفة ، خاضت غمار سبر أغوار السياسات الإيرانية ودخلت بعض دهاليزها الخفية وإبدعت في كشفها وإستنباط الكثير لكشف الخفايا والخبايا للتذكير والتحذير بأسلوبها البحثي الهادي ، الرصين ، الرزين ، الذي يترك الحكم للقاريء .

أرى ان الدكتورة / لارا بجرأتها أقدمت على الخوض في بحر لُجيٍّ عميق ، لا يجرؤ على الخوض في ظُلمته ، وعُمق مياهه ، وعُنفِ أمواجه ، الا من كان متأكداً من قدراته ، وإمكاناته ، ومهارته ، وأدواته . لإن المسألة الإيرانية على مستوى الساحة الأردنية ، مسألة خلافية بشكل كبير ، بل وخطير ، لدرجة ان الشارع الأردني منقسم حيالها إنقساماً شديداً ، يصل عند البعض حد التحيز الأعمى الذي يُغفِل حتى الحقائق الفاقعة .

الكتاب يتألف من ( ٢٦٠ ) صفحة من القطع الكبير ، لذلك يصعب إيجاز المحتوى ، وعليه سألتقط وأختار بعض الجمل او الفقرات عميقة الدلالة التي تؤشر على عمق المحتوى الزاخر في المعلومات والتحليلات والإستنتاجات على شكل إضاءات ، ومن هنا سوف أبدأ :— : [[ كان عام ٢٠٢٢ حافلاً بالإحتجاجات ، ورغم ان المعارضة الإيرانية في الخارج ليست من أشعل شرارتها ، إلا انها إعتبرتها الفرصة السياسية المُنتظرة منذ عقود ، إذ وفرت لها المصداقية التي كانت تفتقر اليها وعززت إنتقالها من الهامش الى موقع قادر على التأثير في النقاش الدولي منحها شرعية شعبية رمزية سمحت بتوحيد خطاب كان تاريخياً ممزقاً بين ملكيين وجمهوريين ويساريين وقوميات مختلفة ، وسمحت لها بالظهور كصدى لصوت الداخل وليس إمتداداً للمهجر ، فأعطتها مساحات إعلامية غير مسبوقة أحرجت النظام الإيراني ]] . [[ … وهكذا شكلت الثلاثية الفكرية : القائد ، والجاهل ، والواقعية عِماداً للثورة الإيرانية ، تفوقت بأهميتها أضعاف ما إمتلكته اي ثورة من القدرات المؤسساتية.. ]] . [[ .. نجحت الثورة في كل مراحلها بأن يعيش المواطن الإيراني في الإستبداد الفكري ، والمجتمعي ، والديني .. ]] . [[ .. ودخلت إيران مرحلة جديدة بقيادة آية الله الخميني بفرضه لسيطرته الكاملة على الدولة معتبراً نفسه القائد لدولة عصرية بمرجعية إسلامية واعية متجددة ، فقام بإغلاق الصحف والمجلات المعارضة لفكرة الحكومة الإسلامية ، وألبس النزعة الفارسية لباساً جديداً دينياً شيعياً جعله رابطة الولاء السياسي بين الدولة الإيرانية والشيعة ليس فقط في إيران بل في كل مكان يتواجدون فيه .. ]] . [[ ولم تُحرم خرائط اليمن ، والسودان ، والصومال ، وليبيا من ذلك النزاع الحاد الذي جعل المنطقة العربية تبدو وكأنها تدار وفق نزاع الآخرين على الأرض العربية ، ونزاع العرب على حماية ذاتهم السياسية ، فاعتبرت إيران تلك الساحات كحلقات مترابطة لمسار نفوذها العابر للحدود ، فعمّقت حضورها في اليمن بوكلاء بوظيفة مزدوجة ، كإرباك الداخل اليمني ، وإبقاء الخليج في حالة تيقظ دائم، ونسجت خيوطها في سوريا .. وفي السودان بمحاولات مترددة لبناء نفوذ يتكيء على تفكك مكوناته الداخلية .. ]] . [[ الأمر الذي يجعل الدول العربية المستقرة أمام معادلة جديدة تقع اليمن ، وسوريا ، ولبنان ، وليبيا ، والصومال ، والسودان في قلبها ، وليس على هامشها ، فإما إعادة بناء مفهوم الوحدة الوطنية والدولة المستقرة على أساس داخلي ، او قبول زيادات دورية في النفوذ الخارجي تغيب إرادتهم برسم مستقبلهم ، بما يجعل الجهود والمساعي العربية أكثر حساسية من اي وقت مضى ، لأن الوطن العربي ليس أمام فراغٍ تاريخي ، بل أمام مرحلة مفصلية تعيد تعريف معنى السيادة ، فالمسارات المتنازعة كالإيراني ، والتركي ، والإسرائيلي ، والغربي لم تعد قوى عابرة ، بل أدوات تشكيلٍ دائم للواقع ، بعضها يضرب ، وبعضها يفاوض ، وبعضها يعيد التموضع ، لكنها جميعاً تعمل تحت سقف مصالحها ، وليس تحت سقف الوحدة العربية ، بما يضع الدول العربية المؤثرة أمام إختبار مزدوج ، فإما ان تمنع الإنهيار الكامل للدولة في اليمن ، وسوريا ، وليبيا ، والسودان ، والصومال ، وفلسطين ، وأن تمنع أيضاً اي قوة خارجية من التحول الى صاحب القرار المطلق فيها .. ]].

الكتاب يعتبر جهداً طيباً ، ومتميزاً من الدكتورة / لارا علي العتوم ، يستحق القراءة ، والتأمل ، وربط محتواه ومقارنته مع الواقع لسبر أغوار مضامينه ، وانعكاسها على الواقع العربي . وأرى انه يضيف الكثير للمتابع للشأن الإيراني سواء تأييداً او معارضة .

شارك هذا المقال