صراحة نيوز – بقلم: د. ثابت المومني
شاءت الأقدار أن أزور اليوم مركز الخدمات الحكومي الشامل في عجلون، فخرجت بانطباع يستحق أن أكتب عنه. لم تكن المسألة مبنى حديثًا يجمع خدمات متعددة فحسب؛ بل ثقافة مختلفة في تقديم الخدمة، وموظف يستقبل المواطن بعقلية أقرب إلى المؤسسات الخاصة التي تسعى إلى رضا متلقي الخدمة، وساعات عمل ممتدة تمنح المواطن مرونة حقيقية. إنها تجربة تستحق الشكر، والأهم أن تتوسع لتشمل كل معاملة تضطر المواطن اليوم إلى التنقل بين عدة وزارات ودوائر ومؤسسات.
شاءت الأقدار أن أزور اليوم مركز الخدمات الحكومي الشامل في عجلون، فكانت زيارة عابرة في بدايتها، لكنها تركت لدي انطباعًا إيجابيًا دفعني للكتابة عنها.
منذ دخولك إلى المركز تشعر أن مفهوم الخدمة مختلف؛ خدمات حكومية متعددة تحت سقف واحد، تنظيم واضح، وساعات عمل تمتد إلى وقت متأخر، بما يمنح المواطن فرصة لإنجاز معاملته بعيدًا عن قيود الدوام الحكومي التقليدي.
لكن أكثر ما استوقفني كان الموظف نفسه.
طريقة الاستقبال، والحديث مع المواطن، والإرشاد، والاستعداد لتقديم الخدمة، تجعلك تشعر أحيانًا وكأنك دخلت مؤسسة خاصة تسعى إلى كسب رضا زبائنها، وهي صورة لم نعتد عليها بهذا المستوى في كثير من مؤسساتنا الحكومية.
وهنا، في تقديري، تكمن القيمة الحقيقية للتجربة؛ فالتحديث الإداري ليس مبنى جميلًا وشاشات وأنظمة إلكترونية فقط، وإنما ثقافة موظف تدرك أن المواطن هو غاية الخدمة وليس عبئًا عليها.
ولهذا فإن طموحنا يجب ألا يتوقف عند زيادة عدد هذه المراكز، وإنما أن تتوسع فلسفة المركز الشامل لتغطي كل معاملة تضطر المواطن إلى حمل أوراقه والتنقل بها بين وزارة ودائرة ومؤسسة وأخرى.
ولنأخذ مثالًا بسيطًا: الموظف الذي تنتهي خدمته ويحال إلى التقاعد. لماذا يضطر في هذه المرحلة إلى مراجعة أكثر من جهة لاستكمال معاملاته؟ أليس من الممكن أن يجد في مركز واحد الجهات والخدمات المرتبطة بإنهاء خدمته وتقاعده، أو أن يتقدم بمعاملته من نافذة واحدة وتتولى المؤسسات الحكومية تبادل المعلومات وإنجاز الإجراءات فيما بينها؟
ما ينطبق على التقاعد ينطبق على عشرات المعاملات الأخرى.
كل معاملة حكومية تتطلب اليوم مراجعة عدة جهات يجب أن تكون مرشحة لإعادة التصميم وفق مبدأ بسيط: المواطن يراجع مكانًا واحدًا، والمؤسسات هي التي تتواصل فيما بينها.
وهذه الفكرة يمكن أن تحقق قيمة كبيرة للمواطن؛ فهي توفر المال والوقت والجهد، وتقلل التنقل بين المدن وداخلها، وتخفف الضغط على الطرق ووسائل النقل والازدحامات، فضلًا عن أنها تحفظ للمواطن كرامته ووقته.
والأمر ذاته، وربما بصورة أكثر أهمية، ينطبق على الاستثمار.
فالمستثمر الذي يريد إنشاء مشروع لا ينبغي أن يتحول إلى ساعي بريد بين وزارة وهيئة وبلدية وجهة ترخيص وأخرى تنظيمية. المطلوب نافذة واحدة حقيقية يستطيع من خلالها تقديم معاملته ومتابعتها وإنجاز متطلبات مشروعه، بينما تتولى مؤسسات الدولة التنسيق وتبادل البيانات والموافقات فيما بينها.
كما أتمنى أن تتوسع هذه المراكز مستقبلًا، خصوصًا في المدن الكبرى، فلا يقتصر الأمر بالضرورة على مركز واحد، وإنما تتوزع المراكز وفق الكثافة السكانية والحاجة، لتصبح الخدمة أقرب إلى المواطن، بدل أن يبقى المواطن هو الذي يقطع المسافات بحثًا عنها.
مركز عجلون هنا مثال لا للحصر. وما رأيته خلال زيارتي جعلني أعتقد أن هذه التجربة تحمل فكرة أكبر بكثير من مجرد جمع عدد من الخدمات الحكومية في مبنى واحد؛ إنها فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والإدارة العامة.
أن تكون الخدمة قريبة، والموظف متعاونًا، والوقت مرنًا، والإجراء مختصرًا، وأن تنتقل المعاملة بين المؤسسات بدلًا من انتقال المواطن بينها.
لذلك أقولها وبفم ملآن … شكرًا للحكومة ، فمراكز الخدمات الحكومية الشاملة قصة نجاح حقيقية يجب ان تعمم.
والنجاح الذي نتمناه لهذه التجربة الآن هو ألا تبقى تجربة ناجحة في مراكز محددة، بل أن تتحول إلى نهج عام في الإدارة الحكومية الأردنية بخيث يأتي المواطن إلى الخدمة مرة واحدة، واجهزة الدولة تتولى ما تبقى.

