السردية لا تُصنع بالكلام… بل بالواقع

3 د للقراءة
3 د للقراءة
السردية لا تُصنع بالكلام... بل بالواقع

صراحة نيوز- بقلم: فواز أرفيفان خالد الخريشا
حين يُطلب من المواطن أن يروي حكايةً جميلة عن واقعه، بينما واقعه يطالبه كل يوم بتفسيرٍ مختلف، فالمشكلة ليست في الحكاية، بل في واقعٍ لم يعد يحتمل التجميل.
«السردية» ليست ورقةً تُكتب ولا شعارًا يُرفع، بل انعكاسٌ لما يعيشه الناس. والشاب الذي يواجه البطالة، والأسرة التي يضيق بها الدخل، والمواطن الذي يلمس تراجع بعض الخدمات، لا يحتاج خطابًا عن التفاؤل؛ يحتاج واقعًا يمنحه سببًا حقيقيًا للأمل.
فأي سردية نريد منه أن يكتب؟ سردية تراجع التعليم والخدمات الصحية، واتساع البطالة والفقر، والواسطة والمحسوبية وتفاوت الفرص؟ أم انتشار المخدرات، وتآكل دخل المواطن، وارتفاع أعباء المعيشة، وتضخم الدين العام؟ وماذا عن الوظائف والمواقع التي يجد بعض أبناء الذوات والمسؤولين طريقًا إليها، بينما يبقى المواطن البسيط يطرق الأبواب عامًا بعد عام، حتى تمضي عشرات السنين من عمره وهو ينتظر فرصةً يستحقها؟ يمضي العمر، ويفوته قطار الحياة، ثم يُطلب منه أن يكتب سرديةً عن مستقبلٍ مشرق.
هذه ليست رغبةً في جلد الحكومة، وإنما سؤالٌ في صميم العدالة: هل تكافأت الفرص فعلًا، أم ما زالت العلاقات أحيانًا أقصر الطرق إلى بعض المواقع؟
وهنا تقع المسؤولية على الحكومة ورئيسها: المواطن لا يريد إدارةً للشكوى، بل إدارةً للحل؛ ولا يريد جولاتٍ ميدانية تنتهي بانتهاء الزيارة، بل قراراتٍ يبقى أثرها بعد مغادرة المسؤول.
التحديث لا يكون بتغيير القوانين وحدها إذا بقي النهج الإداري كما هو. يبدأ من اختيار الإنسان المناسب للموقع المناسب. فالمسؤول يجب أن يكون كفؤًا، نزيهًا، صاحب خبرة، وقبل ذلك منتميًا للأردن؛ لأن من لا يرى المسؤولية أمانةً وطنية لن يستطيع أن يزرع الانتماء في الشباب.
فالانتماء لا يُطلب بالخطب، بل يُبنى حين يرى المواطن عدالةً في الفرص، ونزاهةً في التعيين، ومحاسبةً للمقصر، وحمايةً للمال العام، وقانونًا لا يميز بين اسمٍ وآخر.
وعلى رئيس الحكومة أن يجعل الكفاءة والنزاهة والانتماء معيارًا ثابتًا؛ فالموقع العام ليس مكافأة، والتعيين ليس مجاملة، والمسؤولية ليست امتيازًا.
أما الشباب والأحزاب، فلا ينبغي أن يكونوا ديكورًا لمشروع التحديث. من نريده شريكًا في المستقبل يجب أن نمنحه فرصةً حقيقية للمشاركة وصناعة القرار، لا أن نستدعيه عند الحاجة ثم نطالبه بالدفاع عن نتائج لم يشارك في صنعها.
والتشريع الذي يمس حياة الناس لا يقاس بسرعة إقراره، بل بعدالته وأثره وثقة المواطن به.
أما السردية الحقيقية، فيكتبها المواطن من مدرسته ومستشفاه ووظيفته ودخله وفرصته، ومن شعوره بأن الكفاءة أقوى من الواسطة وأن القانون فوق الجميع.
لا تطلبوا من الشباب أن يكتبوا واقعًا أجمل من واقعهم؛ اصنعوا لهم واقعًا أجمل، وسيكتبون عن الأردن بأجمل ما فيهم.
فلا نريد سرديةً تخفي الألم، بل سياساتٍ تخففه؛ ولا نريد كلامًا يطلب من الشباب أن يحلموا، بل واقعًا يمنحهم الحق في الحلم.
حمى الله الأردن بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وولي عهده الأمين.
بقلم: فواز أرفيفان خالد الخريشا

شارك هذا المقال