صراحة نيوز – عوض ضيف الله الملاحمة
تتبدل أحوال الأمم والشعوب ، بتبدل الزمان وتغيره . وهذا التبدل والتغير يكون إما إرتقاءاً ، او إنحطاطاً . وفي موضوع هذا المقال ، تغيرنا وأصبحنا ندير شبكات تسول وإتجار بالبشر على المستوى العالمي . وها نحن قد صدّرنا كفاءاتنا وخبراتنا ، وعاداتنا ، وتقاليدنا العربية الأصيلة الى ماليزيا ، التي تبعد عن الأردن حوالي ( ٨,٠٠٠ ) كم ، وحوالي ( ١٦ ) ساعة طيران .
سمعة الأردن والأردنيين أصبحت في الحضيض . أصبحنا مطاردين ، ومتهمين ، تتلمس الأجهزة الأمنية في دول العالم نفسها ، وتتشكك ، ولا تثق ، ولا تُصدِّق الأردني عند قدومه الى أقطار العالم ودوله .
جواز السفر الأردني الذي كان يضيف للمسافر الأردني هيبة فوق هيبته ، وكرامة فوق كرامه ، ومصداقية فوق مصداقيته ، أصبح جوازاً لا يحظى بالثقة والإحترام والترحيب الذي كان عليه .
سبق لي ان زرت ماليزيا ، زيارة عمل قبل حوالي ربع قرن . حيث لقيت ترحيباً ، وإحتراماً متميزاً من الأجهزة الأمنية في مطار كوالالمبور ، الضخم ، الذي تبلغ مساحته ( ١٠٠ ) كم مربع ، وتبلغ مساحة مبنى الركاب الرئيسي ( ٣٩٠,٠٠٠ ) متر ، وتبتعد بعض نقاط التنقل داخل المطار الى حوالي ( ١,٥ ) كم .
حيث توجد قطارات كهربائية للتنقل داخله ، بالإضافة الى الأحزمة الكهربائية المتحركة التي يمتد الواحد منها الى مئات الأمتار . كما لقيت ترحيباً متميزاً من رجل الأعمال الكبير والسياسي الماليزي المرموق ، الذي إستقبلني شخصياً في مطار كوالالمبور . وحتى يعبّر لي عن إحترامه لشخصي ، ولبلدي الأردن ، دعاني دعوة رسمية ، حافلة ، حضرها العديد من رجال الأعمال والسياسة . وفاجأني بإصراره على دعوتي لتناول طعام العشاء في قصره المنيف ، وقال : هذه الدعوة لأنك أردني ، هذه الدعوة لأردنيتك ، هذه الدعوة تكريماً للأردن الذي أحب وأحترم نهجه السياسي ، ومصداقية مواطنيه .
أعلنت السلطات الماليزية في شهر آب / أغسطس ٢٠٢٦ عن تنفيذ عملية أمنية تحت مسمى ( Op Pintas Kasih ) , و Op هي إختصار لكلمة Operasi , وتعني : عملية أمنية او عسكرية . وكلمة Pintas تعني : إعتراض ، او قطع طريق ، او التدخل السريع لوقف شيء ما . وكلمة Kasih تعني : الرحمة ، او العطف ، او الرعاية . وبهذا يصبح المعنى الكلي للمصطلح : عملية إعتراض للرحمة او الرعاية .
أنقذت السلطات الأمنية الماليزية (( ١٧ )) طفلاً أردنياً ، يحملون الجنسية الأردنية [[ ٨ ذكور ، و٩ إناث ، تتراوح أعمارهم بين (( ٣ ثلاثة شهور ، و ١٤ عاماً ]] . وأوقفت الشرطة الماليزية : [[ ١٥ بالغاً : ٧ رجال ، و٨ نساء ، تتراوح أعمارهم بين ( ٢١ و ٤٩ ) عاماً ]] . كما ضبطت السلطات الأمنية الماليزية ( ٣٢ ) جوازاً أردنياً ، ومبالغ مالية بعملات مختلفة ، وتعتبر هذه العملات عائدات غير مشروعة .
صحيح تماماً ان جميع الذين ضبطتهم السلطات الأمنية الماليزية هم من [[ النَوَرْ ]] ، او [[ الغَجَرْ ]] كما يسميهم البعض ، لكن السؤال الأهم : لماذا تم تجنيسهم !؟ ولماذا صُرفت لهم الجنسية الأردنية !؟ ومن الذي أمر بصرف جوازات أردنية لهم !؟ ومن الذي أقدم على هذا الإجراء الذي أساء فيه للأردن وللأردنيين ، وللجواز الأردني !؟
النور او الغجر ، لا موطن لهم ، ولا يستقرون في منطقة معينة ، ولا يقيمون في وطنٍ واحد حتى يتم إعتبارهم مواطنين في اي وطن !؟ هم يتنقلون ويرتحلون من بلدٍ الى آخر ، ومن منطقة الى أخرى . طبيعتهم وجيناتهم ، وعاداتهم ، وتقاليدهم ، واعرافهم ، وطِباعهم ، هي خاصتهم هم وحدهم ، لا يشبهون أحداً ، ولا مِلًة ، ولا يحبون الإستقرار ، وليس لديهم مفهوم إسمه الإنتماء لوطنٍ ما او لأرضٍ ما . هم تعودوا على التنقل والترحال حتى أصبح الترحال جينياً لديهم . هم لا يفهمون معنى الوطن ، وليس في قاموسهم كلمة إنتماء ، بل لا يفهمونها ، ولا يعرفونها أصلاً .
من المسؤول الذي (( بلانا )) بهم !؟ من المسؤول الذي عَمِدَ الى تشويه الأردن العظيم !؟ من المسؤول الذي بفعلته هدر كرامة الأردن والأردنيين !؟
بل كيف تحقق ذلك المسؤول من أشخاصهم ، وسلالاتهم !؟ بل كيف تأكد من أسماء آبائهم ، الذين هم أنفسهم لا يعرفونهم !؟ بل كيف تحقق من أنسابهم !؟ وعلى الأقل كيف عرف أسمائهم بداية !؟
والأهم ، والأخطر على ماذا تم الإستناد لإثبات أردنيتهم !؟ وهل هم أردنيون حقاً !؟
للتوضيح والتنوير ، من هم النور او الغجر : (( يُعرفون علمياً بشعب الدوم ، وهم : جماعات بشرية ، ذات جذور تاريخية ، لا تُعرف أصولهم ، البعض يقول ان جذورهم تعود الى شبه القارة الهندية وتحديداً من منطقة البنجاب ، والبعض يعود بنسبهم الى رومانيا )) .
من الذي سمح لنفسه ان يُفقِد الأردنيين كرامتهم واحترامهم !؟ خاصة ان هذا الحدث تناقلته غالبية إن لم يكن كافة وسائل الإعلام العالمية — يعني فضيحة وعليها شهود — من جهات أمنية رسمية ماليزية . من الآن فصاعداً كيف تتعامل السلطات الماليزية مع عشرات الوف الأردنيين الذين يزورون ماليزيا كسائحين ، ورجال أعمال ، وطلاب يدرسون في الجامعات الماليزية !؟ بل : هل تتصورون مدى التأثير السلبي الذي سببته هذه العصابة على سمعة الأردن والأردنيين ، وعلى جواز السفر الأردني الذي كان يحظى بمرتبة رفيعة من الإحترام في كافة دول العالم !؟
أقترح سحب الجنسية والجواز الأردني من هذه الفئة التي لا تشبهنا ، وليست مِنّا ، ولا تنتمي إلينا ، وأترفع عن وصفهم بتوصيفات أخرى تناسبهم ، وأوصي بصرف بطاقات هوية محلية لتسهيل تنقلاتهم ومعاملاتهم داخل الوطن فقط ، ولا يُسمح لهم بمغادرته أبداً ، لنتمكن من ترميم سمعتنا عالمياً ، ولنتجنب حدوث ما حدث في ماليزيا في اية دولة أخرى .
وأختم بأبيات شعر تُعبِّر عن حال النور او الغجر وترحالهم الدائم وعدم إرتباطهم بوطن او بأرض محددة :—
١ )) نحن الغجر .. أبناء هذا المُنتهى
لا أرض تحضننا ، (( ولا نبني الوطن ))
نمشي كما تجري الرياح بلا مدى
وتَظلُّ خيمتنا على ظهرِ الزمن .
٢ )) ليس لنا في البرِّ بيتٌ يستقرْ
او دِمنةٌ تبكي عليها راحلة
كُل البلاد بلادُنا إن هبّت الريحُ
واحدُ الرِّحلةِ هي الأرضُ الشاملةْ .

