صراحة نيوز – المستشار جميل سامي القاضي
نحتفل هذه الايام بانبلاج نور النبي ﷺ في مثل هذه الأيام، لا نتذكر ميلاد رجل من رجال التاريخ، ولا نستحضر ذكرى عابرة من صفحات الزمن، بل نستحضر انبلاج النور الذي أذن الله له أن يبدد ظلمات الجاهلية، وأن يفتح للبشرية دربا إلى الحق والهدى والرحمة.
ولد محمد ﷺ، فكان مولده إيذانا بميلاد أمة، وانطلاقة رسالة، وبداية عهد جديد للإنسان الذي طالما تاه بين أوثان الأرض وأهواء النفس وظلمات الجهل. جاء المصطفى، صلى الله عليه وسلم، وليس في يده سلطان الدنيا، ولا حوله جند ولا خزائن، وإنما جاءه نور الوحي، فكان به أقوى من كل سلطان، وأبقى من كل ملك.
أشرق نور محمد ﷺ، فأضاء ما بين المشرق والمغرب، وأضاء قبل ذلك القلوب والعقول.
فبعد أن كانت العصبية دينا، جعل الأخوّة إيمانا. وبعد أن كان القوي يأكل حق الضعيف، أقام ميزان العدل وبعد أن كانت قيمة الإنسان تقاس بنسبه وماله وقوته، أعلن أن ميزان الكرامة هو التقوى والعمل الصالح.
لم يكن ميلاده ﷺ ميلاد جسد في مكة فحسب، بل كان ميلاد معنى عظيم اسمه الرحمة
رحمة بالإنسان، ورحمة بالضعيف، ورحمة باليتيم، ورحمة بالجار، ورحمة حتى بمن خالفه وآذاه. ولذلك لم تكن رسالته سيفا مسلطا على رقاب الناس، بل كانت نورا يوقظ الفطرة، وكلمة حق تستنقذ الضمير، ومنهجا يرفع الإنسان من حضيض الشهوة إلى شرف المسؤولية.
لقد جاء النبي ﷺ في أمة كانت تتنازعها العصبيات، فوحد القلوب قبل الصفوف، وبنى الإنسان قبل البنيان، وأقام دولة الأخلاق قبل دولة السلطان وكان أعظم ما حمله إلى البشرية أن الإنسان لا يقاس بما يملك، وإنما بما يكونه؛ ولا بما يعلو به على الناس، وإنما بما يقدمه لهم.
ومن يتأمل سيرته ﷺ يدرك أن عظمة النبي لم تكن في المعجزات وحدها، وإنما كانت في ذلك الخلق الذي عجزت عنه الأمم، وفي ذلك الثبات الذي لم تهزه المحن، وفي تلك الرحمة التي لم تطفئها الإساءة، وفي ذلك العفو الذي كان أقوى من الانتقام فحين اشتد عليه الأذى، لم يحمل في قلبه حقدا يثقل الرسالة وحين فتح الله له مكة، وكان بوسعه أن يجعل يومها يوم انتقام، جعله يوم عفو وصفح وهنا تتجلى عظمة النبوة ، أن يملك الإنسان القدرة على العقوبة، ثم يختار العفو حين يكون العفو أسمى وأصلح.
يا لها من سيرة كلما قرأناها ازددنا يقينا أن الأمم لا تنهض بكثرة ما تملك، وإنما بما تحمل من قيم، وأن الرجال العظام تصنعهم المواقف.
وفي ذكرى مولده ﷺ، نحن لا نحتاج إلى كلمات تُقال ثم تنتهي، ولا إلى احتفال يمر ثم ينسى؛ بل نحن أحوج ما نكون إلى أن نسأل أنفسنا أين نحن من محمد ﷺ ؟
أين الصدق في زمن كثرت فيه الأقنعة؟
أين الأمانة في زمن أصبح فيه بعض الناس يبيعون المبادئ بأبخس الأثمان ؟
أين الرحمة في زمن قست فيه القلوب؟
أين العفو حين يصبح الانتقام أسهل ؟
أين الوفاء حين أصبحت المصالح عند البعض ميزان العلاقات ؟
وأين الأخلاق التي جعلها النبي ﷺ جوهر الرسالة وروحها ؟
إن محبة النبي ﷺ ليست قصيدة نرددها، ولا عبارة نكتبها، ولا مناسبة نحييها ثم نعود بعدها إلى ما كنا عليه إنما محبته اتباع، وصدق، وأمانة، ورحمة، وعدل، ووفاء.
إنه النور الذي لا يخبو، والسيرة التي لا تبلى، والقدوة التي كلما ضاقت بنا دروب الحياة وجدنا فيها متسعا للثبات والأمل.
فصلوات الله وسلامه على من أشرقت بمولده مكة، واستنارت برسالته الأرض، واهتدت به القلوب، وتعلمت منه البشرية أن القوة بلا رحمة ظلم، والمال بلا أمانة فتنة، والعلم بلا أخلاق وبال، والسلطان بلا عدل عابر لا يبقى.
سلام على محمد ﷺ يوم ولد، ويوم بعث، ويوم أشرقت برسالته سماء الدنيا، ويوم ترك للأمة قرآنا وسيرة ومنهجا، ويوم نلقى الله ونحن نحمل في قلوبنا محبته، وعلى ألسنتنا الصلاة والسلام عليه.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، عدد ما أشرقت شمس، وما تعاقب ليل ونهار، وما نبض قلب بذكره، وما اهتدت نفس بنوره.
فما أعظم ميلاد النبي ﷺ، وما أعظم نورا أُرسل إلى هذه الأرض، وما أحوجنا اليوم إلى أن نعيش ذلك النور خلقا وسلوكا وموقفا، لا ذكرى على اللسان فحسب.

