التعذيب الصامت: التنمر بين المادة الخامسة وأخلاقيات بوذا حين تتحول الكلمة إلى أداة لإيذاء الإنسان داخل أقرب علاقاته

5 د للقراءة
5 د للقراءة
التعذيب الصامت: التنمر بين المادة الخامسة وأخلاقيات بوذا حين تتحول الكلمة إلى أداة لإيذاء الإنسان داخل أقرب علاقاته

صراحة نيوز- د. منى النحلاوي

تنص المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه: “لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة”وهي حماية صريحة لكرامة الإنسان وسلامته من أشكال الإيذاء والانتهاك.

ولكن هل يقتصر الأذى الذي يهدد كرامة الإنسان على ما يترك أثراً ظاهراً على الجسد؟

قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بقرون، قدمت التقاليد البوذية تصوراً أخلاقياً يولي عدم الإيذاء والعناية بطريقة التعامل مع الآخرين أهمية كبيرة، وفي مفهوم “الكلام السديد” والتى تعد أحد عناصر الطريق الثماني النبيل، تبرز الدعوة إلى تجنب الكذب والكلام الذي يزرع الشقاق، والكلام القاسي والمؤذي.

ومن هنا يبرز سؤالاً معاصراً:

ماذا لو كان بعض ما نمارسه في حياتنا اليومية نوعاً من الإيذاء الذي لا تلتقطه القوانين بسهولة؟

إنه التنمر الاجتماعي الخفي بين الكبار.

فالتنمر ليس حكراً على المدارس أو الأطفال بل قد يحدث داخل الأسرة وبين الأقارب والأصدقاء والمعارف، وقد يأتي في صورة تعليق ساخر على الشكل، أو التقليل من قرار اتخذه شخص، أو تذكيره بخطأ قديم، أو السخرية من نجاحه، أو إطلاق حكم جارح عليه، ثم الاحتماء بعبارة: “كنت أمزح”.

لا وبل الأخطر أن هذا النوع من التنمر قد يبدو صغيراً في عين قائله، بينما يكون كبيراً في أثره على من يتلقاه.

ولا توجد لغاية الآن إحصاءات عالمية موحدة تقيس التنمر الاجتماعي داخل الأسرة والعلاقات اليومية بين البالغين. لكن المجال الذي حظي بدراسة منهجية أوسع فهو بيئة العمل، حيث تشير دراسات ومراجعات دولية إلى انتشار ملحوظ للتنمر بين العاملين، مع تفاوت واضح بين الدول والمناطق.

وبالطبع غياب الرقم لا يعني غياب الجرح.

فما لا يُحصى إحصائياً قد يكون حاضراً في تفاصيل حياتنا اليومية: في بيت يتكرر فيه الاستهزاء، وفي عائلة يُعامل فيها أحد أفرادها باعتباره أقل شأناً، وفي صداقة تتحول فيها الدعابة إلى انتقاص، وفي مجلس يصبح فيه نجاح شخص مادة للسخرية بدل أن يكون مناسبة للتهنئة.

وهنا تتقاطع الفكرة الحقوقية مع الفكرة الأخلاقية.

فالمادة الخامسة تحمي الإنسان من التعذيب والمعاملة المهينة، بينما تذكرنا أخلاقيات “الكلام السديد” في البوذية بأن الكلمات نفسها قد تكون وسيلة للأذى أو للخير.

ولا يعني ذلك أن كل كلمة جارحة ترقى قانونيًا إلى “تعذيب” بالمعنى القانوني، وإنما يعني أن الإيذاء النفسي المتكرر يستحق أن نراه أخلاقياً وإنسانياً، حتى عندما لا يملك القانون أداة مباشرة لقياسه.

وهنا تكمن خطورة التنمر الاجتماعي الدقيق.

فالإنسان الذي يسمع باستمرار:

“أنت لا تفهم”
“شكلك لا يناسب”
“من يظن نفسه؟”
“أنت دائمًا تخطئ”

قد يبدأ مع الوقت في طرح السؤال الأخطر:

هل هم على حق؟

وحين تنتقل الكلمة من فم الآخر إلى داخل الإنسان، يتحول التنمر من موقف خارجي إلى صوت داخلي.

وهنا بالطبع يصبح الجرح أعمق.

قد ننسى العبارة التي قيلت لنا لكننا بالفعل لا ننسى دائمًا الشعور الذي تركته فينا. وقد تحمل بعض الكلمات التي نسمعها في طفولتنا معنا إلى مراحل لاحقة من حياتنا، فتظهر من جديد كلما واجهنا موقفاً يشبه الموقف القديم.

وأحيانًا يُمارس التجريح متعمداً تحت غطاء الفكاهة، حين يتحول المزاح إلى وسيلة للانتقاص، ثم يُطلب من المتألم أن يتقبله لأنه “مجرد مزاح”.

لكن المزاح الذي يهدم كرامة الإنسان ليس بريئاً لمجرد أننا أطلقنا عليه اسم المزاح.

إن العدالة الإنسانية لا ينبغي أن تتوقف عند حماية الجسد من العنف، بل عليها أن توسع وعيها بأهمية الكرامة والسلام النفسي داخل العلاقات الإنسانية.

فالإنسان لا يحتاج فقط إلى بيت آمن من الضرب، بل يحتاج أيضا إلى بيت لا يخاف فيه من السخرية، ولا يعيش فيه في حالة تأهب دائم لما سيقال عنه.

وفي النهاية، ربما لا نستطيع أن نضع قانوناً خلف كل كلمة تقال، لكننا نستطيع أن نضع وعياً أخلاقياً خلف كل كلمة ننطق بها.

فلنجعل كلامنا، نحن الكبار، قوة بناء لا أداة هدم.

أن تبني إنساناً في ذاته وعقله خيرٌ من أن تهدم ثقته بنفسه تحت أي غطاء؛ غطاء المزاح، أو العادة، أو الاستهزاء.

فالكلمة قد تمر من فمنا في ثوانٍ، لكنها قد تعيش في ذاكرة إنسان سنوات.

ومن هنا تبدأ العدالة الإنسانية : أن نتعلم ألا نؤذي من نحب.

من سلسلة: العدالة الإنسانية والنقد الذاتي

شارك هذا المقال