صراحة نيوز – الدكتورة منار مذهان ابو هزيم
ليس كل استقبالٍ ملكيًا، حتى وإن ازدانت له الساحات بالأعلام، واصطفت له الجيوش، وعزفت الموسيقى، وارتفعت التحية الرسمية.
فثمة استقبالٌ تصنعه المراسم، واستقبالٌ تصنعه مكانة عرش، وتاريخ، وراية حملها الهاشميون عبر السنين، حتى جلالة الملك عبدالله الثاني المعظم.
عندها تتجلّى الهيبة، ويعلو مقام الاحترام، وتدرك أن القيادة ليست كرسيًا مرصعًا بالتاج، ولا مظهرًا تصنعه المراسم، بل مسؤوليةٌ أثقل من كل مظاهر الملك.
وفي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين، ونحن نرى ذلك المشهد المهيب في بكين، لا نستطيع أن نراه بعين البروتوكول وحدها؛ لأننا، كأردنيين، نرى أكثر من ملكٍ يقف في عاصمةٍ من أعظم عواصم العالم.
نرى ملكًا من صلب ملك؛ ابن الحسين، وحفيد طلال، وسليل بيتٍ حمل الملك معه قرونًا من أصالة التاريخ، حتى أصبح العرش في الوجدان الأردني ليس كرسيًا للحكم فقط، وإنما مسؤوليةً من دم، وذاكرةَ وطن، وعهدًا لا ينقطع.
وحين يمشي ملك الأردن في ساحات العالم، فإننا لا نراه وحده؛ نرى خلفه الأردن، محمولًا في وجدانه، في بريق عينيه وهدوء خطواته.
نرى جبال عمّان، وقلعة الكرك، وحجر السلط الأصفر، وخرزات إربد، وملامح الجندي الأردني، وذاكرة وطنٍ صغيرٍ في مساحته، كبيرٍ في مكانته.
يجوب العالم لا ليبحث فقط عن أن يؤمّن للأردني قوت يومه، بل ليبحث عن أن يؤمّن له مستقبله؛ يفتح له أبواب الاستثمار والفرص، ويبحث عن كل ما يمكن أن يمنح الأردني وأبناءه حياةً أفضل.
فهو لا يفكر فقط في شعبٍ يعيش اليوم، بل في أجيالٍ ستأتي من بعده، لتقول:
ملكٌ لم يترك لنا حاضرًا فقط، بل فتح لنا أبواب المستقبل.
ولهذا كان استقبال سيدي في الصين مختلفًا في عيوننا.
فالمدافع حين تطلق تحيتها، لا نسمعها مجرد طلقاتٍ بروتوكولية؛ نسمع فيها صدى التاريخ.
ونرى راية الأردن وهي تقف إلى جانب راية الصين، في مشهدٍ يختصر مكانة دولة، وهيبة قيادة، ولقاء وطن وحضارة.
لكن الأجمل من كل ذلك أن الملك، في عيون الأردنيين، أكبر من المشهد.
ونغبط العواصم التي تستقبله بشجرها وحجرها وناسها؛ لأنها تستقبل رجلًا يحمل خلفه وطنًا، وملكًا يقف في قلب العاصفة، يحمل وطنًا صغيرًا على كتفيه، مثقلًا بالأمانة، وسط عالمٍ تتغير خرائطه ومصالحه وموازينه كل يوم.
ومن هنا، ربما نستطيع أن نفهم لماذا نشعر أن السماء والأرض تحيّيان ملكنا.
فحين يصبح الملك في وجدان شعبه، فإن العالم حين يحيّي الملك، نشعر أنه يحيّي الوطن كله.
ولهذا لا نقيس استقبال ملكنا بعدد الجنود الذين وقفوا، ولا بعدد المدافع التي أطلقت، ولا بعدد الأعلام التي رفرفت.
نقيسه بذلك الشعور الذي ينتاب الأردني وهو يرى ملكه يمشي مرفوع الرأس في عاصمةٍ من أعظم عواصم العالم.
ذلك الشعور الذي يقول بلا كلمات:
هذا ملكنا.
وهذا الأردن الذي يمشي خلفه.
والصين، بتاريخها وحضارتها وثقلها الدولي، حين تستقبل ملك الأردن، تستقبل دولةً لها تاريخها، وقيادةً لها حضورها، وملكًا يحمل إرثًا هاشميًا يمتد عميقًا في التاريخ.
أن ترى ملكًا من صلب ملك، يحمل اسم أبيه، وإرث جده، وراية وطنه، ثم يقف أمام العالم كما يقف الأردني أمام وطنه:
ثابتًا، هادئًا، معتزًا.
لا يحتاج أن يقول للعالم إنه ملك.
يكفي أن يمشي.
عندها تتجلّى الهيبة، وتعلو معاني الاحترام، وتُدرك عظمة القيادة؛ فتقف الكلمات إجلالًا، وتنحني القلوب احترامًا.
نحن نرى ملكنا في عيوننا قبل أن نراه في عيون العالم، ونحمله في قلوبنا قبل أن تحييه عواصم الأرض.
وحين يحيّي العالم الملك عبدالله الثاني، الذي يحمل شعبه خلفه، وحين ترفع السماء رايةً فوق رأسه، وتحتضن الأرض خطواته، لا نرى ملكًا يمشي في العالم.
نرى وطنًا يمشي.
فسلامٌ على ملكٍ من صلب ملك.
وسلامٌ على وطنٍ يرى في ملكه مرآته؛ في الثبات، والعزة، والكرامة.
الدكتورة منار مذهان ابوهزيم

