صراحة نيوز- بقلم المحامي حسام العجوري
شاهدت صورة مؤثرة لدكتورة أردنية، أنهكتها سنوات البحث عن وظيفة تدريس في الجامعات الأردنية، وهي تبارك لمن تم تعيينه رئيسًا لمجلس أمناء الجامعة الأردنية، وهو في السابعة والثمانين من عمره.
وفي المشهد ما يجعل المرء يتساءل: هل أصبحت الكعكة تُقسَّم بين أصحاب الكروش والمناصب، بينما يُطلب من الأكاديميين الشباب أن يقفوا طويلًا على طابور الانتظار؟ وهل أصبح الوطن، بما فيه من جامعات ومؤسسات ومواقع مسؤولية، كعكةً يجري تقاسمها بين أصحاب النفوذ والمناصب السابقة، بدل أن تكون الفرص حقًا متاحًا لكل كفاءة أردنية؟
أشخاص سبق أن شغلوا مناصب عليا في الدولة، وحصلوا طوال مسيرتهم على رواتب ومزايا مالية كبيرة، ما زالوا يتقدمون الصفوف نحو مواقع جديدة، بينما يقف الأكاديميون الجدد، الذين أفنوا سنوات عمرهم في الدراسة وحصلوا على أعلى الشهادات، بحثًا عن أول فرصة عمل.
هذه الدكتورة لم تطلب المستحيل؛ كانت تبحث عن فرصة لتدريس تخصصها في إحدى جامعات وطنها، بعد سنوات طويلة من الدراسة والتحصيل العلمي. ومع ذلك، ما زالت تنتظر فرصة، بينما ترى أمامها أسماءً سبق أن شغلت مواقع عليا تعود مرة أخرى إلى مواقع المسؤولية.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا:
متى يأتي دور الأكاديميين الشباب؟
ومتى يحصل صاحب الدكتوراه على فرصة حقيقية داخل وطنه، بدل أن يقضي سنوات وهو يطرق أبواب الجامعات بحثًا عن وظيفة؟
هذه ليست قضية عمر، ولا اعتراضًا على شخص بعينه؛ فالعمر ليس عيبًا، والخبرة محل احترام، وإنما القضية تتعلق بـ عدالة توزيع الفرص وتجديد الدماء في مؤسسات الدولة والجامعات.
فإذا كان من خدم الدولة لعقود قد شغل مواقع متعددة، وحصل على رواتب ومزايا طوال سنوات خدمته، ألا يستحق الأكاديمي الشاب أن يحصل هو الآخر على فرصة واحدة ليبدأ حياته المهنية؟
المشكلة ليست في أن يتقدم الكبار في السن، بل في أن يبقى المستقبل مغلقًا أمام الشباب.
الأردن لا تنقصه الكفاءات.
لدينا دكاترة وأساتذة وباحثون شباب يحملون أعلى الشهادات، وتخصصوا في مجالات يحتاجها الوطن، وأنفقوا سنوات من أعمارهم في التعليم والبحث العلمي، ثم وجدوا أنفسهم أمام أبواب جامعية مغلقة أو فرص محدودة.
وبعضهم اضطر إلى البحث عن فرصة خارج الأردن، لأن وطنه لم يجد له مكانًا، رغم أن الدولة والمجتمع أنفقا سنوات وأموالًا على تعليمه وتأهيله.
فهل يعقل أن يستمر تدوير المناصب بين الشخصيات نفسها، بينما يبقى أصحاب الدكتوراه الجدد على طابور الانتظار؟
وهل يعقل أن يصبح المنصب العام محطة جديدة في مسيرة شخص شغل مواقع عديدة من قبل، بينما لا يجد الأكاديمي الشاب حتى فرصة البداية؟
نحن لا نريد إقصاء أصحاب الخبرة، ولا نقول إن من تجاوز سنًا معينة يجب أن يُمنع من العطاء.
لكننا نريد عدالة في الفرص.
نريد معايير واضحة وشفافة في اختيار رؤساء مجالس الأمناء وأعضائها.
نريد أن تكون الكفاءة والتخصص والإنجاز هي الأساس.
ونريد أن يشعر الشاب الأردني الذي يحصل على الدكتوراه أن مستقبله في وطنه، لا أن مستقبله يبدأ عندما يغادر وطنه.
فالجامعات ليست مجالًا لإعادة تدوير المناصب، وإنما هي مؤسسات لصناعة المستقبل.
إن الصورة التي شاهدتها لتلك الدكتورة وهي تبارك لمن تم تعيينه، بينما هي تبحث عن وظيفة تدريس، يجب ألا تمر علينا كصورة عابرة.
بل يجب أن تدفعنا إلى طرح السؤال الأكبر:
هل أصبحت الكفاءة تنتظر دورها، بينما المناصب تجد طريقها إلى أصحابها؟
نحن بحاجة إلى جيل جديد يتولى المسؤولية، وإلى دماء جديدة تدخل مؤسسات الدولة والجامعات، وإلى فتح الأبواب أمام أصحاب الكفاءات الذين انتظروا طويلًا.
فالدولة التي تريد بناء المستقبل لا تستطيع أن تبني جامعاتها بعقلية الماضي وحدها.
أعطوا الأكاديميين الشباب فرصتهم.
افتحوا أبواب الجامعات أمام الكفاءات الأردنية.
واجعلوا المنصب تكليفًا لا امتيازًا، والجامعة بيتًا للكفاءة لا محطة لإعادة تدوير الأسماء.
فليس من العدل أن يقضي شاب سنوات عمره في الدراسة حتى يحصل على الدكتوراه، ثم يقضي سنوات أخرى على طابور الانتظار، بينما تستمر المناصب في الدوران بين أسماء اعتادت مواقع المسؤولية.
وفي النهاية، تبقى الصورة الأبلغ:
دكتورة تحمل الدكتوراه وتبحث عن وظيفة تدريس في جامعات وطنها… تقف لتبارك لمن حصل على منصب جديد.
وهنا نسأل بكل صراحة:
متى يأتي الدور على الأكاديميين؟

