الأردنيون والجيش العربي حين يجتمع الوطن على راية الهاشميين

9 د للقراءة
9 د للقراءة
الأردنيون والجيش العربي حين يجتمع الوطن على راية الهاشميين

صراحة نيوز- المستشار الإعلامي / جميل سامي القاضي

لو أردنا أن نقيس حجم الإجماع الأردني، فلن نحتاج دائما إلى صناديق الاقتراع، ولا إلى استطلاعات الرأي يكفينا أحيانا أن نراقب ماذا يفعل الأردنيون عندما يتعلق الأمر بالجيش العربي.
آلاف الأردنيين الذين سارعوا إلى تهنئة رئيس هيئة الاركان المشتركة الجديد اللواء الركن مجدي الحراسيس، وآلاف الذين عبروا عن وفائهم وتقديرهم للرئيس السابق الفريق الطيار يوسف الحنيطي، لم يكونوا في الحالتين يحتفون بشخصين بقدر ما كانوا يعبرون عن حبهم لمؤسسة وطنية كبرى، وعن احترامهم لمن حمل أمانتها.
وهنا تكمن المفارقة الجميلة ، قائد يرحل، وقائد يأتي، لكن المحبة لا ترحل، والراية لا تتغير، والجيش يبقى ، بل إن المشهد كله يعكس حقيقة أعمق في وجدان الأردنيين وهي أن الجيش العربي لم يكن يوما مؤسسة منفصلة عن قصة الدولة الأردنية، بل كان أحد أعمدتها، وجزءا أصيلا من مشروعها الوطني الذي قادته القيادة الهاشمية الراشده منذ تأسيس الدولة وحتى اليوم.
الجيش العربي ابن الدولة الهاشمية فمنذ أن جاء (الأمير) الملك المؤسس الشهيد عبدالله بن الحسين إلى شرق الأردن، بدأت ملامح الدولة الأردنية الحديثة تتشكل وسط ظروف سياسية وعسكرية بالغة الصعوبة.
وكان تأسيس قوة عسكرية منظمة ضرورة من ضرورات بقاء الدولة وحماية أمنها.
وفي تلك المرحلة ارتبط اسم فردريك بيك، بمرحلة من مراحل تأسيس وتنظيم الجيش
لكن المشروع لم يكن أن يبقى الجيش رهينا بمرحلة التأسيس أو بالخبرة القادمة من الخارج ،كان الطموح أن تنشأ مؤسسة وطنية قادرة على أن يصنع الأردنيون قيادتها وخبرتها ومستقبلها.
وهذا ما تحقق عبر عقود طويلة من البناء ، من التأسيس إلى التعريب ذلك القرار الوطني الشجاع تعريب قيادة الجيش العربي عام 1956 التي تعد محطة فارقة في التاريخ الأردني ،ففي عهد الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، انتقلت قيادة الجيش إلى الأردنيين، ليصبح القرار العسكري الوطني بيد أبناء المؤسسة ابناء الوطن .
ولم يكن ذلك مجرد تغيير في أسماء القادة، بل كان تعبيرا عن مرحلة جديدة من مراحل بناء الدولة والسيادة.
ومنذ ذلك اليوم، توالت القيادات الأردنية، جيلا بعد جيل، وأصبح الجيش العربي مدرسة وطنية تصنع قادتها من داخل صفوفها، بفضل الهاشميين الذين قاموا ببناء الجيش الجيش العربي ليس باعتبارهم أصحاب قرار سياسي فحسب، وإنما باعتبارهم أصحاب مشروع دولة، كان الجيش العربي أحد أعمدته الأساسية.

في الأردن، تبقى العلاقة بين الجيش والعرش الهاشمي علاقة دستورية ووطنية وتاريخية راسخة فالملك هو القائد الأعلى للقوات المسلحة،والجيش العربي يعمل تحت مظلة الدولة وقيادتها الشرعية، ويحمل رسالة الدفاع عن الوطن وسيادته وأمنه.
ومن الملك المؤسس عبدالله الأول، إلى الملك طلال، إلى الملك الحسين بن طلال، وصولا إلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ، ظل الجيش العربي حاضرا وله دورا متميزا في صلب المشروع الوطني الأردني.
ومع جلالة الملك عبدالله الثاني، الذي يحمل خلفية عسكرية عميقة ويعرف المؤسسة العسكرية من داخلها، استمر الاهتمام بتطوير القوات المسلحة وتأهيلها ومواكبتها للتغيرات في طبيعة الحروب والتكنولوجيا والتهديدات الحديثة.
وهنا لا تنفصل قوة الجيش عن قوة الدولة، ولا تنفصل هيبة المؤسسة عن احترام القيادة.
فالأردنيون لا يهنئون قائدا بل يهنئون راية ، حين خرجت آلاف التهاني للرئيس الحراسيس، فإن الرسالة لم تكن “مبروك لشخص تولى منصبا” ، بل كانت في جوهرها “مبروك لمن حمل راية الجيش العربي.”
وحين امتلأت الصفحات بكلمات الوفاء والتكريم ليوسف الحنيطي، لم يكن الأردنيون يقولون له وداعا بوصفه قائدا غادر موقعا ويقولون له شكراً لأنك حملت الأمانة.
وهذه قيمة لا يمكن اختزالها في شخص
ففي المؤسسات العظيمة، لا يصبح القائد أكبر من المؤسسة، وإنما تزداد قيمة القائد بقدر ما يحسن حمل أمانتها
ولهذا يكرم الأردنيون القائد السابق، ويرحبون بالقائد الجديد، لأن كليهما وقف في الموقع نفسه، تحت الراية نفسها، وأمام القسم نفسه .
الحديث عن الجيش العربي في الأردن لا يكتمل من دون الحديث عن الهاشميين، لكن الأهم أن نفهم هذه العلاقة في إطارها الوطني فالجيش ليس جيش شخص وليس مؤسسة لعائلة إنه جيش الدولة الأردنية التي قامت في ظل القيادة الهاشمية، واستمرت مسيرتها تحت راية الهاشميين، وكان الجيش أحد أهم المؤسسات التي حافظت على أمنها وسيادتها واستقرارها.
ومن هنا نشأت علاقة خاصة في الوجدان الأردني بين الجيش والملك والوطن.
علاقة تختصرها كلمات روحية تتمثل (الله، الوطن، الملك).

من تأسيس الجيش إلى اليوم ماذا تغير؟
تغير كل شيء تقريبا ، إلا الجوهر.
في زمن البدايات كانت الدولة في مرحلة التأسيس واليوم يقف الجيش العربي أمام عالم عسكري مختلف تماما
طائرات مسيرة ، أنظمة إلكترونية ،ذكاء اصطناعي.حرب سيبرانية.أقمار صناعية.
أسلحة دقيقة.
وحروب لا تخاض كلها على الأرض.
لكن الجيش الذي عرف كيف ينتقل من مرحلة التأسيس إلى مرحلة بناء القيادة الوطنية، قادر على أن ينتقل من حرب الأمس إلى حرب المستقبل.
وهنا تأتي مسؤولية القيادة الجديدة.
فمجدي الحراسيس لا يبدأ من الصفر.
إنه يبدأ من إرث عمره عقود طويلة إرث بناه قادة وضباط وجنود وشهداء، وحمل رايته قادة سابقون، وسيتسلمها من بعده جيل جديد.
انها مؤسسة لا تتوقف
قد يظن البعض أن تغيير القائد يعني انتهاء مرحلة وبداية مرحلة مختلفة
لكن المؤسسة العسكرية المحترفة تقول شيئا آخر.
إنها لا تبدأ مع قائد ولا تنتهي بخروجه كونها مرحلة من مراحل الجيش العربي ، فهو الامتداد الذي يجمعهم جميعا.
وهذا هو سر قوة المؤسسة أن تكون قادرة على أن تقول للرئيس السابق”شكراً لما قدمت.”
ثم تقول للرئيس الجديد:
“أهلاً بك في حمل الأمانة.”
دون أن تهتز الراية أو تتغير العقيدة أو تتبدل الثوابت.
الجيش هو المساحة التي يتسع فيها الوطن للجميع
في زمن كثرت فيه الاختلافات السياسية والاجتماعية، تبقى هناك مؤسسات يستطيع الأردنيون أن يجتمعوا حولها ، وفي مقدمتها قيادتنا الهاشمية مؤسسة العرش و الجيش العربي. فكل ابناء الوطن كلهم يرون في الجندي ابنهم.
ويرون في الضابط أخاهم ويرون في الجيش جزءا من بيتهم الكبير الأردن العظيم .
ولهذا فإن آلاف التهاني للقائد الجديد وآلاف كلمات الوفاء للقائد السابق ليست مجرد نشاط على وسائل التواصل الاجتماعي.
إنها صورة مصغرة من علاقة شعب بمؤسسته العسكرية التي لها الدور الكبير في هذه المسيرة كما كانت القيادة الهاشمية عنوانا لاستمرار الدولة واستقرارها.
ونحن نعي بان الاستقلال قدرة والسيادة قدرةوحماية الوطن قدرة.
والجيش العربي أحد أهم أدوات هذه القدرة.
واخيرا ،قد تتغير أسماء القادة وقد تتغير الرتب
وقد تتغير الأسلحة وقد تتغير طبيعة الحروب.
لكن هناك أشياء لا تتغير.
الأردن والجيش والراية
والولاء للدولة وقيادتها الهاشمية.
ومن هنا نفهم سر ذلك المشهد الذي رأيناه:
آلاف يهنئون الرئيس اللواء الركن مجدي الحراسيس.
وآلاف يكرمون الفريق الطيار يوسف الحنيطي.
وآلاف يرفعون اسم الجيش العربي بكل فخر واعتزاز.
إنهم في الحقيقة يقولون شيئا واحدا وهو نحن نحب الجيش، ونحترم من يحمل أمانته، ونعتز بالقيادة الهاشمية التي كان الجيش العربي أحد أعمدة الدولة في عهدها.
فيوسف الحنيطي غادر موقع القيادة، لكنه لم يغادر ذاكرة الجيش.
ومجدي الحراسيس تسلم الراية، لكنه لم يتسلم جيشا يبدأ معه ،بل تسلم تاريخا وأمانة وإرثا .
وبين القائد الذي غادر والقائد الذي جاء، يقف الأردن وكذلك بين الأمس واليوم، يقف الجيش العربي وفوق الجميع، تبقى الراية الأردنية خفاقة، ويبقى العرش الهاشمي عنوانا للدولة، والجيش العربي سياجا للوطن، والأردنيون سندا لوطنهم وجيشهم وقيادتهم.
نعم فالقادة يتعاقبون والجيش يبقى والسنوات تمضي والوطن يبقى.
والراية تنتقل من يد إلى يد ، لكنها لا تسقط أبدا.
هذا هو الجيش العربي.
وهذه هي حكاية الأردن.
وهذا هو الإجماع الذي لا يحتاج إلى صندوق اقتراع.

شارك هذا المقال