الإقراض الزراعي: من إدارة القروض إلى إدارة الاستثمار الزراعي

7 د للقراءة
7 د للقراءة
الإقراض الزراعي: من إدارة القروض إلى إدارة الاستثمار الزراعي

صراحة نيوز- بقلم : المهندس سمير سليمان

لم تعد مهمة الإقراض الزراعي تقتصر على منح القروض وتحصيلها ومتابعة أقساطها، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من منظومة التنمية الزراعية والاقتصادية. فالقطاع الزراعي يحتاج إلى تمويل يستند إلى فهم متكامل لطبيعة الإنتاج والأسواق والتكنولوجيا والمياه وتقلبات الأسعار والمخاطر المناخية والموسمية.

لكن الانتقال من نموذج الإقراض التقليدي إلى إدارة التمويل باعتباره أداة للاستثمار الزراعي ليس تحولًا بسيطًا. فالجهة التي تمول الزراعة مطالبة بالاستجابة لاحتياجات القطاع في الظروف الاعتيادية والطارئة، والاستمرار في توفير السيولة، وتوسيع برامج التمويل، وتغطية تكاليفها التشغيلية، في وقت يواجه فيه النشاط الزراعي مخاطر مرتفعة وتقلبات لا يمكن التحكم بها بالكامل.

وتزداد صعوبة هذه المعادلة عندما يكون التمويل الزراعي مطالبًا بتحقيق أهداف تنموية إلى جانب المحافظة على استدامته المالية. فهناك فرق بين تمويل مشروع تجاري يمكن تقدير تدفقاته النقدية بدرجة نسبية، وتمويل نشاط يرتبط بالمناخ والمياه والآفات والأسعار ومواسم الإنتاج والأسواق. ولذلك فإن نجاح التمويل الزراعي لا يمكن قياسه بالمعايير نفسها المستخدمة في التمويل التقليدي.

كما أن تغيير فلسفة التمويل يحتاج إلى تغيير في أدواته. وخلال السنوات الأخيرة ظهرت محاولات لتطوير نماذج أكثر مرونة، من خلال تخفيض أسعار الفوائد والمرابحات، وتعديل بعض مجالات الاستثمار، وتوفير أكثر من نموذج لفترات السداد وربطها بمواسم الإنتاج والدخل. وهذه الخطوات مهمة لأنها تجعل شروط التمويل أكثر انسجامًا مع طبيعة النشاط الزراعي بدل إخضاع مختلف الأنشطة لنموذج واحد.

وتبرز هنا مسألة التمويل الموجه والمدعوم، الذي يمكن أن يؤدي دورًا أكبر في دفع الاستثمار نحو الأولويات الزراعية. وقد توسع التعاون مع جهات داعمة محلية وخارجية لتوفير تمويل منخفض الكلفة، وأحيانًا بدون فوائد، بهدف تشجيع المزارعين على تبني تقنيات وممارسات أكثر كفاءة، خصوصًا في مجالات المياه والطاقة والإنتاج والتصنيع والقيمة المضافة.

غير أن الوصول إلى هذا النوع من التمويل ليس سهلًا دائمًا؛ فهو يحتاج إلى شراكات مستمرة، ومصادر تمويل مستقرة، وآليات واضحة لتحديد الأولويات وقياس الأثر. كما أن الجهات التمويلية مطالبة بالموازنة بين توسيع التمويل المدعوم وبين الحفاظ على قدرتها على الاستمرار، وهي معادلة تحتاج إلى إدارة دقيقة وليست مجرد زيادة في المخصصات.

ومن جهة أخرى، فإن إدارة الاستثمار الزراعي تعني أن تقييم المشروع يجب ألا يتوقف عند قدرة صاحبه على تقديم الضمانات. فالضمان مهم لحماية الأموال، لكنه لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: هل المشروع قابل للحياة اقتصاديًا؟ وهل يمتلك صاحبه الخبرة والقدرة على الإدارة؟ وهل هناك سوق لمنتجاته؟ وهل يستطيع مواجهة تقلبات الأسعار والإنتاج؟

ولهذا فإن تطوير أدوات ضمان القروض يمكن أن يكون خطوة مهمة في توسيع قاعدة المستفيدين، خصوصًا للمشاريع القابلة للنجاح التي لا يمتلك أصحابها ضمانات عقارية كافية. لكن ذلك يحتاج في المقابل إلى دراسات جدوى أكثر دقة، وتحليل أفضل للأسواق والمخاطر، ومتابعة حقيقية للمشروع بعد حصوله على التمويل.

وهنا تظهر واحدة من أكثر نقاط التحول تعقيدًا: الممول لم يعد يستطيع الاكتفاء بدراسة طلب القرض، بل يحتاج إلى فهم المشروع نفسه. وهذا يعني الانتقال من المحاسبة البحتة إلى تحليل اقتصادي وفني يشمل الإنتاج والتكاليف والأسواق والتسويق والمخاطر والتدفقات النقدية، ثم متابعة المشروع بعد التمويل والتدخل المبكر عندما تظهر مؤشرات التعثر.

ولا تقل أهمية حماية المقترض عن حماية أموال التمويل. فالظروف الطارئة قد تحول مشروعًا ناجحًا إلى مشروع متعثر دون أن يكون السبب سوء الإدارة. ولذلك فإن تطوير أدوات التكافل في حالات الوفاة، ومعالجة بعض الحالات الإنسانية، وتوسيع آليات الضمان، يمثل اتجاهًا نحو إدارة أكثر شمولًا للمخاطر، بحيث لا يتحمل المزارع وحده نتائج ظروف خارجة عن إرادته.

وتبقى هناك صعوبة أخرى تتعلق بالصورة الذهنية للتمويل الزراعي. فبناء الثقة بين المزارع والجهة التمويلية يحتاج إلى وقت، خصوصًا في ظل قناعات سلبية تراكمت لدى بعض الشرائح، سواء تجاه مؤسسات التمويل أو تجاه قدرة المزارع على الالتزام. ولذلك فإن تطوير الخدمة وسرعة الإجراءات ووضوح الشروط والعدالة في التعامل عناصر لا تقل أهمية عن سعر الفائدة نفسه.

وفي هذا السياق، يمثل التحول الرقمي في الخدمات التمويلية خطوة تتجاوز مجرد استخدام التكنولوجيا؛ فهو يساعد على تسريع الإجراءات وتحسين جودة الخدمة، ورفع كفاءة إدارة البيانات، وتسهيل وصول المستفيد إلى الخدمة، بما يعزز قدرة الجهة التمويلية على إدارة عدد أكبر من المشاريع بصورة أكثر كفاءة.

أما التحدي الأكبر، فيبقى في القدرة على الربط بين التمويل وبقية عناصر نجاح الاستثمار الزراعي. فالقرض وحده لا يصنع مشروعًا ناجحًا إذا كانت المشكلة في الإدارة أو التسويق أو التكنولوجيا أو المياه أو ضعف القيمة المضافة. ولذلك فإن التمويل الأكثر فاعلية هو الذي يأتي ضمن منظومة تضم الخبرة الفنية والتدريب والتسويق ودراسة السوق، وتربط بين القرض والمنحة والمساهمة الذاتية والدعم الفني حيثما كان ذلك ممكنًا.

ومن هنا تصبح استراتيجية التمويل الزراعي لعام 2026، التي تستهدف تمويلًا يصل إلى 70 مليون دينار، فرصة لاختبار هذا التحول على أرض الواقع. فالمعيار الحقيقي ليس حجم الأموال التي ستُضخ، وإنما كيفية توزيعها، وما القطاعات التي ستذهب إليها، ومدى قدرتها على خلق مشاريع مستدامة، وتحسين الإنتاجية، وخفض التكاليف، ورفع القيمة المضافة، وتوفير فرص العمل.

في النهاية، السؤال الذي يجب أن يحكم المرحلة المقبلة ليس: كم قرضًا تم منحه؟ بل: ماذا صنع هذا التمويل؟

هل أسهم في خفض كلفة الإنتاج؟ هل رفع الإنتاجية؟ هل حسّن استخدام المياه؟ هل فتح أسواقًا جديدة؟ هل دعم التصنيع الغذائي؟ هل خلق فرص عمل؟ وهل ساعد المزارع على بناء مشروع قادر على الاستمرار في مواجهة تقلبات السوق والمناخ؟

هنا تحديدًا يظهر الفارق بين إدارة القروض وإدارة الاستثمار الزراعي. فإدارة القروض تركز على المال، بينما إدارة الاستثمار تبحث في المشروع والجدوى والمخاطر والعائد والأثر التنموي.

وقد يكون هذا هو التحول الأهم المطلوب في التمويل الزراعي: ألا يُنظر إلى القرض باعتباره نهاية العملية عند صرفه، بل بداية شراكة هدفها أن يتحول المال إلى إنتاج وقيمة مضافة ودخل واستدامة.

فنجاح التمويل الزراعي في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بحجم الأموال التي تحركت، وإنما بحجم القيمة الاقتصادية والتنموية التي استطاعت هذه الأموال أن تصنعها.

شارك هذا المقال