الغَبَاءُ الأَخْلَاقِيُّ ” … حِينَ نَعْرِفُ الحَقَّ وَنَفْعَلُ عَكْسَهُ :

9 د للقراءة
9 د للقراءة
الغَبَاءُ الأَخْلَاقِيُّ " ... حِينَ نَعْرِفُ الحَقَّ وَنَفْعَلُ عَكْسَهُ :

صراحة نيوز- د . نسيم ابو خضير

ليست كلُّ مشكلةٍ في الحياة سببُها الجهل ، وليست كلُّ الأخطاء نتيجةَ نقصٍ في التعليم أو قلَّةٍ في الثقافة ، فهناك نوعٌ أخطر من الجهل ، وأشدُّ أثرًا في المجتمع ، وهو أن يعرف الإنسانُ الحقيقةَ ، ويدركَ الصوابَ ، ويميّزَ بين الحقِّ والباطل ، ثم يختارَ بإرادته أن يعملَ ضدَّ ما يعرف !

وهذا ما يمكن أن نسمّيه : « الغَبَاءَ الأَخْلَاقِيَّ ».

فالإنسان قد يكون متعلِّمًا ، يحمل أعلى الشهادات ، ويجلس في موقع مسؤولية ، ويتحدَّث في القانون والعدالة والإدارة والأخلاق ، وقد يكون صاحبَ رأيٍ ومكانةٍ وتأثير ، ومع ذلك يقع في هذا النوع من الغباء ، لأن المشكلة ليست في غياب المعرفة ، وإنما في غياب الإلتزام بما تقتضيه المعرفة .

فما قيمة أن تعرفَ العدلَ ثم تظلم ؟

وما قيمة أن تتحدثَ عن النزاهة ثم تحابي ؟

وما قيمة أن تدعو إلى تكافؤ الفرص ثم تمنح الفرصة لمن لا يستحقها لأنَّه قريبٌ أو صديق ؟

وما قيمة أن تعرف أن المال العام أو مال الآخرين أمانة ، ثم تستولي عليه أو تسهّل الاستيلاء عليه ؟

وما قيمة أن تؤمن بأن الوظيفة حقٌّ لمن يستحقها ، ثم تحرم مستحقًّا منها لتضع مكانه إبنًا أو قريبًا أو محسوبًا عليك ؟

أليس هذا غباءً أخلاقيًّا ؟

إنَّ الظلم غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأن الظالم قد يعرف أن ما يفعله ظلم ، ولكنه يظن أن قوته أو منصبه أو نفوذه سيحميه من عواقبه .

وسلب حقوق الآخرين غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأن من يأخذ حقَّ غيره لا يربح حقًّا ، وإنما يزرع في المجتمع شعورًا بالغبن ، ويهدم الثقة ، ويحوّل العدالة إلى شعارٍ بلا مضمون .

وأخذ أموال الناس بغير حقّ غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأن المال الذي يأتي بغير حقّ قد يملأ الجيب ، لكنه لا يستطيع أن يشتري راحة الضمير ، ولا يستطيع أن يمنح صاحبه إحترامًا حقيقيًّا .

وحرمان الإنسان من دوره المستحقّ غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأنك حين تمنع شخصًا من حقّه في المشاركة أو العمل أو التقدّم ، لا تؤذيه وحده ، وإنما تحرم المجتمع من طاقةٍ كان يمكن أن تسهم في بنائه .

وتوظيف الأبناء والأقارب على حساب أصحاب الكفاءة والإستحقاق غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأنك قد تفرح مؤقتًا بإدخال إبنك أو قريبك إلى وظيفة ، لكنك في المقابل قد تكون قد أغلقت بابًا في وجه شابٍّ آخر أمضى سنواتٍ في الدراسة ، وانتظر فرصته بعدل .

وهنا تصبح القضية أكبر من واسطةٍ أو محسوبيةٍ ، إنها قضية ضميرٍ ومسؤوليةٍ وعدالةٍ إجتماعية .

لكن السؤال الأهم : لماذا يحدث هذا ؟

لماذا يعرف الإنسان الحقيقة ثم يخالفها ؟

لأن المعرفة وحدها لا تصنع إنسانًا صالحًا .

قد يتعلم الإنسان القانون ، لكنه يبحث عن ثغراتٍ للإلتفاف عليه ، وقد يدرس الأخلاق ، لكنه يفصلها عن مصالحه الشخصية ، وقد يتحدث عن العدالة ، لكنه يريدها لنفسه ولأبنائه فقط ، وقد يرفع شعار تكافؤ الفرص ، ثم يبدأ في البحث عن الإستثناء عندما يصل الدور إلى ابنه أو قريبه .

المشكلة إذن ليست في العقل وحده ، وإنما في غياب الضمير حين تتعارض الحقيقة مع المصلحة .

وهنا تظهر أخطر صور ” الغباء الأخلاقي ” :

أن يعرف الإنسان أنه مخطئ ، لكنه يبحث عن ألف مبررٍ ليقنع نفسه بأنه على صواب .

فيقول :

« الجميع يفعل ذلك ».

« هذه هي طبيعة الحياة ».

« إن لم أفعلها أنا سيفعلها غيري ».

« أنا أساعد إبني ».

« أنا أستخدم حقي ».

« هذه ليست محسوبية ».

وهكذا يبدأ الإنسان بتغيير أسماء الأشياء ، حتى لا يضطر إلى مواجهة حقيقتها .

فالواسطة تصبح « خدمة » ، والمحسوبية تصبح « مساعدة » ، والتمييز يصبح « ثقة » ، وسلب الحق يصبح « إجراءً إداريًّا » ، والظلم يصبح « مصلحةً عامة » ، والإستيلاء على المال يصبح « حقًّا مكتسبًا ».

وهذه هي الكارثة : حين يتغير إسم الخطأ في اللسان ، لكن لا تتغير حقيقته في ميزان الأخلاق .

إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الفاسد الجاهل فقط ، بل المتعلم الذي يعرف ماذا يفعل ،

لأن الجاهل قد يُعلَّم ، والمخطئ قد يُنبَّه ، ومن لا يعرف قد يتعلم .

أما الذي يعرف الحق ، ثم يستخدم علمه وموقعه وقدرته لتبرير الباطل ، فمشكلته أعمق .

ولهذا فإن الشهادة الجامعية ليست شهادةً على الأخلاق ، والمنصب ليس شهادةً على النزاهة ، والمكانة الإجتماعية ليست دليلًا على الإستقامة ، وكثرة الحديث عن المبادئ لا تعني بالضرورة أن صاحبها يلتزم بها .

الأخلاق الحقيقية تبدأ عندما تتعارض المبادئ مع المصلحة الشخصية .

فإذا كنتَ عادلًا عندما يكون العدل في مصلحتك ، فأنت لم تُختبر بعد .

وإذا كنتَ نزيهًا عندما لا توجد أمامك فرصةٌ للمنفعة ، فأنت لم تُختبر بعد .

وإذا كنتَ تؤمن بتكافؤ الفرص ما دام إبنك ليس طرفًا في المنافسة ، فأنت لم تُختبر بعد .

الإختبار الحقيقي يبدأ عندما تستطيع أن تنحاز ، ثم تختار ألّا تنحاز .

عندما تستطيع أن تأخذ حقَّ غيرك ، ثم تردَّه إليه .

عندما تستطيع أن تقدّم قريبك ، ثم تقول : هناك من هو أحقّ منه .

عندما تستطيع أن تستغل منصبك ، ثم تتذكر أن المنصب أمانةٌ وليس ملكًا شخصيًّا .

وعندما تعرف أن إنصاف إنسانٍ واحد قد لا يحقق لك منفعة ، ومع ذلك تنصفه ، لأنك تؤمن أن الحقَّ حقٌّ ولو كان صاحبه ضعيفًا ، والباطل باطلٌ ولو كان صاحبه قويًّا .

نحن لا نحتاج إلى مزيدٍ من المتعلمين فقط ، بل إلى مزيدٍ من أصحاب الضمائر .

فالمجتمع لا يبنى بالشهادات وحدها ، ولا بالمناصب وحدها ، ولا بالكلمات الجميلة وحدها .

المجتمع يبنى عندما يصبح الضمير رقيبًا قبل القانون ، والعدل سلوكًا قبل أن يكون شعارًا ، والأمانة ممارسةً قبل أن تكون خطابًا .

وما أحوجنا اليوم إلى أن نسأل أنفسنا جميعًا ، كلٌّ في موقعه :

هل أنا أطلب الحقَّ لنفسي كما أطلبه لغيري ؟

هل أقبل لإبن غيري ما أقبله لإبني ؟

هل أرفض الظلم عندما يقع على غيري كما أرفضه عندما يقع عليَّ ؟

هل أطبّق المبدأ عندما يكون في مصلحتي ، وعندما يكون ضد مصلحتي أيضًا ؟

فإذا كانت الإجابة « نعم » ، فهذه أخلاق .

أما إذا كنا نعرف الحقيقة ، ونعرف صاحب الحق ، ونعرف الخطأ ، ثم نختار الإنحياز للمصلحة أو القرابة أو النفوذ أو المال ، فعلينا أن نتوقف طويلًا أمام المرآة ، لا أمام الآخرين .

فالغباء الأخلاقي ليس أن تجهل الصواب ، بل أن تعرفه ، ثم تتعمّد مخالفته .

وأخطر ما فيه أن صاحبه قد يخسر إحترام الناس ، ويظلم الآخرين ، ويفسد بيئة العمل ، ويهدم الثقة ، ثم يظل مقتنعًا بأنه « ذكي » لأنه نجح في تحقيق مصلحته !

لكن الذكاء الحقيقي ليس أن تعرف كيف تحصل على ما تريد ، وإنما أن تعرف متى يكون الحصول عليه ظلمًا ، فتتوقف .

فالمنصب يزول ، والمال يُنفق ، والسلطة تنتهي ، والجاه يتغير ، والأسماء تُنسى …

لكن أثر العدل يبقى ، وأثر الظلم يبقى ، وما يزرعه الإنسان في حياة الآخرين سيجد أثره يومًا ما .

فلنربِّ أبناءنا على أن يكونوا أصحاب كفاءةٍ وضمير ، ولنعلّم أبناءنا أن النجاح لا يكون على حساب حقوق الآخرين ، وأن أعظم إنتصار ٍ للإنسان أن يصل إلى ما يستحقه دون أن يسلب ما يستحقه غيره .

فليس أعظم ما في الإنسان أن يكون ذكيًّا …

بل أن يكون ذكيًّا وأخلاقيًّا .

وليس أخطر ما في المجتمع أن يوجد فيه جاهل …

بل أن يوجد فيه عالمٌ يعرف الحق ، ثم يستخدم علمه في تبرير الباطل .

تلك هي المأساة… وذلك هو ” الغباء الأخلاقي ” .

 

شارك هذا المقال