صراحة نيوز- د . نسيم ابو خضير
ليست كلُّ مشكلةٍ في الحياة سببُها الجهل ، وليست كلُّ الأخطاء نتيجةَ نقصٍ في التعليم أو قلَّةٍ في الثقافة ، فهناك نوعٌ أخطر من الجهل ، وأشدُّ أثرًا في المجتمع ، وهو أن يعرف الإنسانُ الحقيقةَ ، ويدركَ الصوابَ ، ويميّزَ بين الحقِّ والباطل ، ثم يختارَ بإرادته أن يعملَ ضدَّ ما يعرف !
وهذا ما يمكن أن نسمّيه : « الغَبَاءَ الأَخْلَاقِيَّ ».
فالإنسان قد يكون متعلِّمًا ، يحمل أعلى الشهادات ، ويجلس في موقع مسؤولية ، ويتحدَّث في القانون والعدالة والإدارة والأخلاق ، وقد يكون صاحبَ رأيٍ ومكانةٍ وتأثير ، ومع ذلك يقع في هذا النوع من الغباء ، لأن المشكلة ليست في غياب المعرفة ، وإنما في غياب الإلتزام بما تقتضيه المعرفة .
فما قيمة أن تعرفَ العدلَ ثم تظلم ؟
وما قيمة أن تتحدثَ عن النزاهة ثم تحابي ؟
وما قيمة أن تدعو إلى تكافؤ الفرص ثم تمنح الفرصة لمن لا يستحقها لأنَّه قريبٌ أو صديق ؟
وما قيمة أن تعرف أن المال العام أو مال الآخرين أمانة ، ثم تستولي عليه أو تسهّل الاستيلاء عليه ؟
وما قيمة أن تؤمن بأن الوظيفة حقٌّ لمن يستحقها ، ثم تحرم مستحقًّا منها لتضع مكانه إبنًا أو قريبًا أو محسوبًا عليك ؟
أليس هذا غباءً أخلاقيًّا ؟
إنَّ الظلم غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأن الظالم قد يعرف أن ما يفعله ظلم ، ولكنه يظن أن قوته أو منصبه أو نفوذه سيحميه من عواقبه .
وسلب حقوق الآخرين غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأن من يأخذ حقَّ غيره لا يربح حقًّا ، وإنما يزرع في المجتمع شعورًا بالغبن ، ويهدم الثقة ، ويحوّل العدالة إلى شعارٍ بلا مضمون .
وأخذ أموال الناس بغير حقّ غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأن المال الذي يأتي بغير حقّ قد يملأ الجيب ، لكنه لا يستطيع أن يشتري راحة الضمير ، ولا يستطيع أن يمنح صاحبه إحترامًا حقيقيًّا .
وحرمان الإنسان من دوره المستحقّ غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأنك حين تمنع شخصًا من حقّه في المشاركة أو العمل أو التقدّم ، لا تؤذيه وحده ، وإنما تحرم المجتمع من طاقةٍ كان يمكن أن تسهم في بنائه .
وتوظيف الأبناء والأقارب على حساب أصحاب الكفاءة والإستحقاق غباءٌ أخلاقيٌّ ، لأنك قد تفرح مؤقتًا بإدخال إبنك أو قريبك إلى وظيفة ، لكنك في المقابل قد تكون قد أغلقت بابًا في وجه شابٍّ آخر أمضى سنواتٍ في الدراسة ، وانتظر فرصته بعدل .
وهنا تصبح القضية أكبر من واسطةٍ أو محسوبيةٍ ، إنها قضية ضميرٍ ومسؤوليةٍ وعدالةٍ إجتماعية .
لكن السؤال الأهم : لماذا يحدث هذا ؟
لماذا يعرف الإنسان الحقيقة ثم يخالفها ؟
لأن المعرفة وحدها لا تصنع إنسانًا صالحًا .
قد يتعلم الإنسان القانون ، لكنه يبحث عن ثغراتٍ للإلتفاف عليه ، وقد يدرس الأخلاق ، لكنه يفصلها عن مصالحه الشخصية ، وقد يتحدث عن العدالة ، لكنه يريدها لنفسه ولأبنائه فقط ، وقد يرفع شعار تكافؤ الفرص ، ثم يبدأ في البحث عن الإستثناء عندما يصل الدور إلى ابنه أو قريبه .
المشكلة إذن ليست في العقل وحده ، وإنما في غياب الضمير حين تتعارض الحقيقة مع المصلحة .
وهنا تظهر أخطر صور ” الغباء الأخلاقي ” :
أن يعرف الإنسان أنه مخطئ ، لكنه يبحث عن ألف مبررٍ ليقنع نفسه بأنه على صواب .
فيقول :
« الجميع يفعل ذلك ».
« هذه هي طبيعة الحياة ».
« إن لم أفعلها أنا سيفعلها غيري ».
« أنا أساعد إبني ».
« أنا أستخدم حقي ».
« هذه ليست محسوبية ».
وهكذا يبدأ الإنسان بتغيير أسماء الأشياء ، حتى لا يضطر إلى مواجهة حقيقتها .
فالواسطة تصبح « خدمة » ، والمحسوبية تصبح « مساعدة » ، والتمييز يصبح « ثقة » ، وسلب الحق يصبح « إجراءً إداريًّا » ، والظلم يصبح « مصلحةً عامة » ، والإستيلاء على المال يصبح « حقًّا مكتسبًا ».
وهذه هي الكارثة : حين يتغير إسم الخطأ في اللسان ، لكن لا تتغير حقيقته في ميزان الأخلاق .
إن أخطر ما يهدد المجتمعات ليس الفاسد الجاهل فقط ، بل المتعلم الذي يعرف ماذا يفعل ،
لأن الجاهل قد يُعلَّم ، والمخطئ قد يُنبَّه ، ومن لا يعرف قد يتعلم .
أما الذي يعرف الحق ، ثم يستخدم علمه وموقعه وقدرته لتبرير الباطل ، فمشكلته أعمق .
ولهذا فإن الشهادة الجامعية ليست شهادةً على الأخلاق ، والمنصب ليس شهادةً على النزاهة ، والمكانة الإجتماعية ليست دليلًا على الإستقامة ، وكثرة الحديث عن المبادئ لا تعني بالضرورة أن صاحبها يلتزم بها .
الأخلاق الحقيقية تبدأ عندما تتعارض المبادئ مع المصلحة الشخصية .
فإذا كنتَ عادلًا عندما يكون العدل في مصلحتك ، فأنت لم تُختبر بعد .
وإذا كنتَ نزيهًا عندما لا توجد أمامك فرصةٌ للمنفعة ، فأنت لم تُختبر بعد .
وإذا كنتَ تؤمن بتكافؤ الفرص ما دام إبنك ليس طرفًا في المنافسة ، فأنت لم تُختبر بعد .
الإختبار الحقيقي يبدأ عندما تستطيع أن تنحاز ، ثم تختار ألّا تنحاز .
عندما تستطيع أن تأخذ حقَّ غيرك ، ثم تردَّه إليه .
عندما تستطيع أن تقدّم قريبك ، ثم تقول : هناك من هو أحقّ منه .
عندما تستطيع أن تستغل منصبك ، ثم تتذكر أن المنصب أمانةٌ وليس ملكًا شخصيًّا .
وعندما تعرف أن إنصاف إنسانٍ واحد قد لا يحقق لك منفعة ، ومع ذلك تنصفه ، لأنك تؤمن أن الحقَّ حقٌّ ولو كان صاحبه ضعيفًا ، والباطل باطلٌ ولو كان صاحبه قويًّا .
نحن لا نحتاج إلى مزيدٍ من المتعلمين فقط ، بل إلى مزيدٍ من أصحاب الضمائر .
فالمجتمع لا يبنى بالشهادات وحدها ، ولا بالمناصب وحدها ، ولا بالكلمات الجميلة وحدها .
المجتمع يبنى عندما يصبح الضمير رقيبًا قبل القانون ، والعدل سلوكًا قبل أن يكون شعارًا ، والأمانة ممارسةً قبل أن تكون خطابًا .
وما أحوجنا اليوم إلى أن نسأل أنفسنا جميعًا ، كلٌّ في موقعه :
هل أنا أطلب الحقَّ لنفسي كما أطلبه لغيري ؟
هل أقبل لإبن غيري ما أقبله لإبني ؟
هل أرفض الظلم عندما يقع على غيري كما أرفضه عندما يقع عليَّ ؟
هل أطبّق المبدأ عندما يكون في مصلحتي ، وعندما يكون ضد مصلحتي أيضًا ؟
فإذا كانت الإجابة « نعم » ، فهذه أخلاق .
أما إذا كنا نعرف الحقيقة ، ونعرف صاحب الحق ، ونعرف الخطأ ، ثم نختار الإنحياز للمصلحة أو القرابة أو النفوذ أو المال ، فعلينا أن نتوقف طويلًا أمام المرآة ، لا أمام الآخرين .
فالغباء الأخلاقي ليس أن تجهل الصواب ، بل أن تعرفه ، ثم تتعمّد مخالفته .
وأخطر ما فيه أن صاحبه قد يخسر إحترام الناس ، ويظلم الآخرين ، ويفسد بيئة العمل ، ويهدم الثقة ، ثم يظل مقتنعًا بأنه « ذكي » لأنه نجح في تحقيق مصلحته !
لكن الذكاء الحقيقي ليس أن تعرف كيف تحصل على ما تريد ، وإنما أن تعرف متى يكون الحصول عليه ظلمًا ، فتتوقف .
فالمنصب يزول ، والمال يُنفق ، والسلطة تنتهي ، والجاه يتغير ، والأسماء تُنسى …
لكن أثر العدل يبقى ، وأثر الظلم يبقى ، وما يزرعه الإنسان في حياة الآخرين سيجد أثره يومًا ما .
فلنربِّ أبناءنا على أن يكونوا أصحاب كفاءةٍ وضمير ، ولنعلّم أبناءنا أن النجاح لا يكون على حساب حقوق الآخرين ، وأن أعظم إنتصار ٍ للإنسان أن يصل إلى ما يستحقه دون أن يسلب ما يستحقه غيره .
فليس أعظم ما في الإنسان أن يكون ذكيًّا …
بل أن يكون ذكيًّا وأخلاقيًّا .
وليس أخطر ما في المجتمع أن يوجد فيه جاهل …
بل أن يوجد فيه عالمٌ يعرف الحق ، ثم يستخدم علمه في تبرير الباطل .
تلك هي المأساة… وذلك هو ” الغباء الأخلاقي ” .

