سُجُونٌ بِلَا قُضْبَانٍ: أَقْسَاطُ البُنُوكِ

5 د للقراءة
5 د للقراءة
سُجُونٌ بِلَا قُضْبَانٍ: أَقْسَاطُ البُنُوكِ

صراحة نيوز- بقلم: الدكتور أحمد الجداية

نَحْنُ لَا نَتَعَامَلُ مَعَ البُنُوكِ، نَحْنُ نَسْكُنُ دَاخِلَهَا، نَسْتَيْقِظُ عَلَى رِسَالَةِ اقْتِطَاعٍ وَنَنَامُ عَلَى حِسَابِ فَائِدَةٍ، وَبَيْنَ الاثْنَتَيْنِ نَعْمَلُ عِنْدَ مَنْ لَا يَنَامُ، هَذِهِ لَمْ تَعُدْ عَلَاقَةَ مَالٍ، هَذِهِ عَلَاقَةُ حُكْمٍ، وَمَنْ يَمْلِكُ قِسْطَكَ يَمْلِكُ قَرَارَكَ، وَمَنْ يَمْلِكُ مُسْتَقْبَلَكَ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَأْمُرَكَ فِي حَاضِرِكَ، أَنْتَ سَتُطِيعُهُ وَحْدَكَ، وَهَذَا هُوَ أَذْكَى احْتِلَالٍ فِي التَّارِيخِ، احْتِلَالٌ بِعَقْدٍ لَا بِجُنْدِيٍّ.

الَّذِي جَرَى أَنَّ المَالَ هَرَبَ مِنَ المُخَاطَرَةِ، فَهَرَبَ مَعَهُ الاقْتِصَادُ كُلُّهُ، كَانَ المَفْرُوضُ أَنْ يَذْهَبَ الدِّينَارُ لِيَلِدَ فِكْرَةً، وَالفِكْرَةُ تَلِدُ مَصْنَعًا، وَالمَصْنَعُ يَلِدُ وَظِيفَةً، لَكِنَّ البَنْكَ قَلَبَ المَنْطِقَ وَقَالَ: لِمَاذَا أُمَوِّلُ مُهَنْدِسًا فِي الكَرَكِ عِنْدَهُ فِكْرَةٌ وَقَدْ يَفْشَلُ، وَعِنْدِي مُوَظَّفٌ رَاتِبُهُ مَحْجُوزٌ وَمَكْفُولٌ بِالدَّوْلَةِ؟ الرَّاتِبُ بِئْرُ نِفْطٍ صَغِيرٍ لَا يَنْضُبُ كُلَّ شَهْرٍ، فَأَغْلَقَ بَابَ الحَقْلِ وَفَتَحَ بَابَ المَعْرِضِ، وَصِرْنَا نُمَوِّلُ مَا نَسْتَوْرِدُ لَا مَا نَصْنَعُ، كُلُّ قَرْضِ سَيَّارَةٍ هُوَ تَأْشِيرَةُ عَمَلٍ لِمَصْنَعٍ فِي كُورْيَا، وَكُلُّ قَرْضِ هَاتِفٍ هُوَ إِغْلَاقٌ لِوَرْشَةٍ فِي الرَّمْثَا، نَظُنُّ أَنَّنَا نَنْمُو لِأَنَّ الأَرْقَامَ تَكْبُرُ، وَنَحْنُ فِي الحَقِيقَةِ نَتَآكَلُ، لِأَنَّ القَرْضَ لَيْسَ مَالًا تَأْخُذُهُ، بَلْ زَمَنٌ تَبِيعُهُ، تَبِيعُ عَشْرَ سَنَوَاتٍ مِنْ عُمْرِكَ لِتَشْتَرِيَ شَيْئًا يَنْتَهِي بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَلِذَلِكَ يَشْعُرُ الشَّابُّ الأُرْدُنِّيُّ أَنَّهُ كَبُرَ قَبْلَ أَوَانِهِ.

وَهَذَا الهُرُوبُ مِنَ المُخَاطَرَةِ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي قَطَعَ حَبْلَ العَائِلَةِ، قَدِيمًا كَانَ الدَّيْنُ بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ حَيَاءٌ وَرَحْمَةٌ وَتَأْجِيلٌ، الأَخُ يُسَامِحُ أَخَاهُ وَالجَارُ يَسْتُرُ جَارَهُ، جَاءَ البَنْكُ وَقَطَعَ هَذَا الحَبْلَ النَّبِيلَ وَقَالَ لِكُلِّ فَرْدٍ: تَعَالَ وَحْدَكَ، أَنَا أَسْتُرُكَ، فَتَعَلَّمَ النَّاسُ أَنْ يَحْمِلُوا هَمَّهُمْ وَحْدَهُمْ، وَأَنْ يَخَافُوا وَحْدَهُمْ، وَتَحَوَّلْنَا مِنْ عَائِلَاتٍ مُمْتَدَّةٍ تَتَقَاسَمُ اللُّقْمَةَ إِلَى أَفْرَادٍ مُنْفَرِدِينَ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَتَقَاسَمُ رَاتِبَهُ مَعَ بَنْكٍ، وَالمَدِينُ المُنْفَرِدُ ضَعِيفٌ بِالطَّبْعِ، لَا يَقُولُ لَا لِمُدِيرٍ يُهِينُهُ لِأَنَّ بَيْتَهُ مَرْهُونٌ، وَلَا يَتْرُكُ وَظِيفَةً تَقْتُلُهُ لِأَنَّ سَيَّارَتَهُ مَحْجُوزَةٌ، حَتَّى الحُبُّ دَخَلَ جَدْوَلَةَ السَّدَادِ، فَالزَّوَاجُ يُؤَجَّلُ حَتَّى يَنْتَهِيَ القَرْضُ، وَالإِنْجَابُ يُؤَجَّلُ حَتَّى يَرْتَاحَ الرَّاتِبُ، وَمُجْتَمَعٌ يُؤَجِّلُ حَيَاتَهُ لِأَجْلِ القِسْطِ لَا يَلِدُ أَفْكَارًا، بَلْ يَلِدُ أَقْسَاطًا.

وَالخَائِفُ عَلَى قِسْطِهِ يَصْمُتُ وَحْدَهُ، وَهَذَا هُوَ أَذْكَى ضَبْطٍ سِيَاسِيٍّ عَرَفَهُ التَّارِيخُ، لَا تَحْتَاجُ أَنْ تَمْنَعَ النَّاسَ مِنَ الكَلَامِ، يَكْفِي أَنْ تَجْعَلَهُمْ مَدِينِينَ لِيَمْنَعُوا أَنْفُسَهُمْ، المُوَظَّفُ المَرْهُونُ لَا يُضْرِبُ وَلَا يَعْتَرِضُ، هُوَ لَا يَطْلُبُ إِصْلَاحًا عَامًّا، بَلْ يَطْلُبُ تَأْجِيلَ قِسْطٍ خَاصٍّ، وَكُلَّمَا ارْتَفَعَتْ نِسْبَةُ القُرُوضِ الاسْتِهْلَاكِيَّةِ انْخَفَضَتْ نِسْبَةُ المُشَارَكَةِ العَامَّةِ، لِأَنَّ الخَائِفَ عَلَى قِسْطِهِ لَا يُفَكِّرُ فِي وَطَنِهِ، بَلْ فِي سَتْرِ بَيْتِهِ، فَتَحْكُمُ الأَرْقَامُ أَجْسَادًا بِلَا أَصْوَاتٍ، وَتَعِيشُ البِلَادُ بِأَجْسَادِ أَبْنَائِهَا وَأَصْوَاتُهَا مَحْجُوزَةٌ فِي البَنْكِ.

ثُمَّ تَأْتِي الضَّرْبَةُ الأَعْمَقُ فِي الرُّوحِ، فَالَّذِي بَاعَ زَمَنَهُ وَخَسِرَ عَائِلَتَهُ وَصَمَتَ عَنْ حَقِّهِ لَا بُدَّ أَنْ يَخْسَرَ سَكِينَتَهُ، يَنَامُ وَفِي جَيْبِهِ بِطَاقَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَفِي قَلْبِهِ طُمَأْنِينَةٌ وَاحِدَةٌ مَفْقُودَةٌ، يَمْلِكُ بَيْتًا لَيْسَ لَهُ، وَسَيَّارَةً لَيْسَتْ لَهُ، وَيَلْبَسُ ثَوْبًا جَدِيدًا اشْتَرَاهُ بِقَرْضٍ فَلَا يَفْرَحُ بِهِ، لِأَنَّهُ سَيَدْفَعُ ثَمَنَهُ سِتًّا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَهَذَا هُوَ الفَقْرُ الحَقِيقِيُّ، جَيْبٌ عَامِرٌ وَقَلْبٌ خَاوٍ.

وَالمُصِيبَةُ أَنَّ البُنُوكَ الَّتِي رَفَعَتْ رَايَةَ الشَّرِيعَةِ، كَانَ بِإِمْكَانِهَا أَنْ تَكُونَ خَلَاصًا، أَنْ تَقُولَ لِلشَّابِّ: أُشَارِكُكَ الغُرْمَ قَبْلَ الغُنْمِ، أَرْبَحُ مَعَكَ وَأَخْسَرُ مَعَكَ، وَهَذَا جَوْهَرُ الإِسْلَامِ، لَكِنَّهَا اخْتَارَتِ الطَّرِيقَ السَّهْلَ، بَاعَتِ المُرَابَحَةَ الصُّورِيَّةَ وَتَرَكَتِ المُضَارَبَةَ وَالمُشَارَكَةَ عَلَى الرَّفِّ، فَصَارَ النَّاسُ يَدْفَعُونَ ضَرِيبَتَيْنِ، ضَرِيبَةَ المَالِ وَضَرِيبَةَ الوَهْمِ، يَدْفَعُونَ أَكْثَرَ وَهُمْ سَاكِتُونَ لِأَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَدْفَعُونَ لِلْحَلَالِ، وَالحَلَالُ بَرِيءٌ مِنْ بَيْعِ الخَوْفِ.

إِنَّهَا لَيْسَتْ أَرْبَعَ أَزَمَاتٍ، هِيَ أَزْمَةٌ وَاحِدَةٌ بِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ، مَالٌ جَبَانٌ لَا يُخَاطِرُ فَيُفْقِرُ السُّوقَ، وَفَرْدٌ وَحِيدٌ مَدِينٌ فَيُضْعِفُ الأُسْرَةَ، وَمُوَاطِنٌ خَائِفٌ فَيُفْرِغُ السِّيَاسَةَ، وَقَلْبٌ قَلِقٌ فَيُتْعِبُ الرُّوحَ، وَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَعِيشُ هَكَذَا لَا يَنْهَارُ فَجْأَةً، بَلْ يَذُوبُ بُطْئًا فِي رِسَالَةٍ قَصِيرَةٍ كُلَّ آخِرِ شَهْرٍ: تَمَّ الاقْتِطَاعُ.

وَالحَلُّ لَيْسَ مَوْعِظَةً وَلَا حَمْلَةَ تَوْعِيَةٍ، الحَلُّ قَرَارُ سِيَادَةٍ يُعِيدُ البَنْكَ إِلَى حَجْمِهِ الطَّبِيعِيِّ، خَادِمًا لَا سَيِّدًا، وَالبَنْكُ المَرْكَزِيُّ الَّذِي حَمَى الدِّينَارَ وَسْطَ حَرَائِقِ الإِقْلِيمِ قَادِرٌ عَلَى المُعْجِزَةِ الثَّانِيَةِ، أَنْ يَحْمِيَ مَنْ يَحْمِلُ الدِّينَارَ، بِسَقْفِ فَائِدَةٍ وَاحِدٍ لَا يَقْفِزُ فَوْقَهُ أَحَدٌ، وَلَائِحَةِ عُمُولَاتٍ وَاحِدَةٍ تُعَلَّقُ عَلَى بَابِ كُلِّ فَرْعٍ يَفْهَمُهَا طِفْلٌ فِي السَّادِسِ، وَمَنْعِ بَيْعِ النَّاسِ فِي سُوقِ النُّخَاسَةِ الجَدِيدَةِ المُسَمَّاةِ شَرِكَاتِ تَحْصِيلٍ، وَإِلْزَامِ كُلِّ بَنْكٍ أَنْ يُمَوِّلَ مَصْنَعًا كُلَّمَا مَوَّلَ مَعْرِضَ سَيَّارَاتٍ، وَمِحْرَاثًا كُلَّمَا مَوَّلَ هَاتِفًا، فَالبَلَدُ الَّذِي لَا يُمَوِّلُ مِحْرَاثَهُ، سَيَسْتَدِينُ غَدًا لِيَشْتَرِيَ خُبْزَهُ، وَالدَّوْلَةُ الَّتِي تَتْرُكُ أَبْنَاءَهَا رَهَائِنَ لِلْأَقْسَاطِ لَنْ تَسْمَعَ مِنْهُمْ كَلِمَةَ حَقٍّ، لِأَنَّ المَدِينَ لَا رَأْيَ لَهُ.

شارك هذا المقال