المعلم… حين كانت للكلمة هيبة قف، أنت في حضرة المعلم

4 د للقراءة
4 د للقراءة
المعلم... حين كانت للكلمة هيبة قف، أنت في حضرة المعلم

صراحة نيوز – محمد متعب الفريحات

عبارة كانت تختصر، في زمن مضى، كثيرا من الكلام. يكفي أن يفتح المعلم باب الصف حتى يتبدل كل شيء، فيهدأ الهمس، وتستقيم المقاعد، وتتجه العيون إلى السبورة. ومع إشراقة كل صباح، كان الجرس يعلن يوما جديدا، وينتظم الطابور، وتبقى رائحة الطباشير عالقة في الأنف، ويتسارع القلب على وقع خطوات قادمة من آخر الممر. تفاصيل صغيرة، لكنها بقيت أكبر من النسيان.
وكانت هيبة المعلم أوسع من جدران المدرسة. ففي الشارع كان له وقار، وفي المناسبات الاجتماعية كان له مقعد يليق بمكانته، وفي البيوت كانت لكلمته وزنها. وكان الطالب، إذا لمح معلمه مقبلا، غير طريقه أو اختبأ خلف باب، لا كرها به، بل حياء من أن يراه في موقف لا يليق بالصورة التي يريدها لنفسه. وكان الأب والأم يقفان إلى جانب المعلم، لأن الجميع كان يدرك أن المدرسة شريك للبيت، وليست بديلا عنه.
ومن تلك الصفوف الضيقة كبرت الأحلام، فخرج الطبيب والمهندس والقاضي والضابط والكاتب، وخلف كل واحد منهم معلم وضع في يده أول حرف، وفتح أمامه أول نافذة. كانت البداية تربية، ثم جاء التعليم. فقبل أن يشرح المعلم الدرس، كان يعلم الصبي كيف يصغي، وكيف يثق بنفسه، وكيف يرى في قدراته طريقا إلى المستقبل. وكان يرى في الطالب، الذي لم يكتشف قيمته بعد، ما قد لا يراه الطالب في نفسه.
اليوم تغيرت الصورة، والصدق يقتضي أن نعترف بذلك. فالمعلم مطالب بمواكبة مناهج تتجدد، ومجاراة تكنولوجيا تسبق الجميع، والتعامل مع جيل تغيرت أدواته وطريقة تفكيره. وهو يفعل ذلك أمام أعداد متزايدة من الطلبة، في غرف صفية ضاقت بمن فيها، ومدارس لا تكفي لاستيعاب من يطرق أبوابها. إنها مهمة ثقيلة تحتاج إلى دعم حقيقي، لا إلى مزيد من الأعباء.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في المناهج ولا في الأجهزة، بل في تراجع النظرة إلى المعلم. لا يجوز أن نحمله أعباء المجتمع كلها، ثم نطالبه بأن يبقى في المكان نفسه من دون أن نمنحه ما يستحقه من تقدير. وليست الهيبة التي نتحدث عنها خوفا، بل احترام يعرف به الطالب قيمة من يقف أمامه كل صباح. فإذا كان الطبيب يعالج الجسد، فإن المعلم يشارك في بناء العقل والشخصية، فهو ليس موظفا ينتهي دوره بانتهاء الدوام، والطالب ليس رقما في سجل العلامات.
ولهذا، فإن إصلاح التعليم لا يبدأ بإضافة مادة، أو تحديث جهاز، أو تغيير كتاب، بل يبدأ بالإنسان الذي يحمل الرسالة. فمن أراد بناء إنسان قوي، فليبدأ بدعم من يصنعه. ويكون ذلك بتأهيل مستمر، وبيئة عمل لائقة، وتقدير يتجاوز المناسبات والشعارات. ويبدأ كذلك من البيت، حين يتعلم الأبناء أن احترام معلمهم جزء من احترام العلم، وأن الأدب معه ليس خوفا من شخص، بل تقدير لمكانة ورسالة.
وفي هذا المقام، نستحضر أسماء ما زالت أصداؤها تطرق الآذان، فرحم الله صدقي الصمادي ومحمد العجاوي، وكل معلم رحل وترك وراءه أجيالا تحمل شيئا من أثره. هؤلاء لم يكونوا موظفين مروا بالمدرسة، بل رجالا ظلت كلماتهم تعود إلى تلاميذهم في لحظات الحيرة والقرار. فقد تتغير السبورة، ويتبدل الكتاب، وتتقدم التكنولوجيا، لكن الكلمة الصادقة التي يزرعها المعلم في عقل الطالب وقلبه لا تعرف التقاعد ولا الرحيل.
نحن لا نريد العودة إلى الماضي بكل تفاصيله، فلكل زمن أدواته وتحدياته، لكننا نريد أن نستعيد منه قيمة لا ينبغي أن تضيع، وهي احترام العلم وأهله. فقف أمام كل معلم ومعلمة حملا الطباشير ووقفا أمام الأجيال، شرحا وأعادا وصبرا، ورأيا في الطالب مشروع إنسان أفضل. قف، لا خوفا ولا مجاملة، بل وفاء لمن كان ذات يوم جزءا من صناعة حلمك.
قف، فأنت في حضرة المعلم

شارك هذا المقال