صراحة نيوز – زياد فرحان المجالي
حين اجتمع في وادي موسى، أواخر آب الماضي، سياسيون ووجهاء وشخصيات اجتماعية من مناطق مختلفة تحت عنوان «المؤاخاة بين الأردنيين»، لم يكن المشهد مجرد لقاء عشائري أو مناسبة اجتماعية عابرة. فقد جاء اللقاء امتدادًا لمبادرة وطنية ركزت على وحدة الأردنيين، والهوية الجامعة، والتعاضد في مواجهة الضغوط والتحديات، وكان الدكتور عوض خليفات حاضرًا في واجهتها.
لكن صورة خليفات في وادي موسى تستدعي، لمن يتابع تاريخ الحياة السياسية الأردنية، صورة أخرى تعود إلى ثلاثة عشر عامًا مضت.
في عام 2013 كان اسم الرجل حاضرًا في مشاورات تشكيل الحكومة، ووصل النقاش النيابي آنذاك إلى طرح اسمه إلى جانب الدكتور عبدالله النسور ضمن الأسماء المتداولة لرئاسة الوزراء، قبل أن تنتهي المشاورات بإعادة تكليف النسور.
ولذلك فإن استعادة تلك المرحلة اليوم ليست بحثًا عن فائز وخاسر، ولا محاولة لإعادة فتح ملف أغلقه الزمن، وإنما مدخل لطرح سؤال أكثر أهمية: ماذا يبقى من رجل الدولة بعد أن تنتهي فرص المواقع والمناصب؟ وكيف تتحول الخبرة المتراكمة إلى قيمة قابلة للاستخدام في مراحل سياسية واجتماعية جديدة؟
ربما هنا تكمن أهمية المقارنة بين الصورتين.
في 2013 كان خليفات حاضرًا من داخل مؤسسات الدولة، نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للداخلية.
أما في 2026 فإن حضوره يأتي، بدرجة أكبر، من مساحة اجتماعية وطنية تتحدث عن التواصل بين الأردنيين وتعزيز تماسكهم.
وبين المحطتين سيرة طويلة، قيمتها في تنوع التجربة لا في تعداد المناصب.
فالرجل تولى حقائب الشباب والتعليم العالي والداخلية، وشغل موقع نائب رئيس الوزراء، وترأس جامعة مؤتة، وعمل في الجامعة الأردنية، وشارك في اللجنة الملكية لصياغة الميثاق الوطني. وهي تجربة جمعت بين الإدارة والتعليم والسياسة والأمن والعمل الأكاديمي.
لكن أهمية هذه السيرة لا تكمن في تعداد المواقع، بقدر ما تكمن في السؤال عما تصنعه هذه التجارب المتعددة في فهم الدولة والمجتمع.
فالعمل في وزارة الداخلية يضع المسؤول أمام تعقيدات الأمن والمجتمع والمحافظات والعلاقة اليومية بين المواطن ومؤسسات الدولة. والعمل الجامعي يفتح نافذة مختلفة على الشباب والتعليم وبناء الأجيال. أما الوجود في موقع نائب رئيس الوزراء، فيضع المسؤول أمام ملفات تتجاوز حدود وزارة واحدة، ويمنحه رؤية أوسع لعلاقات المؤسسات ببعضها ومسؤولية القرار في مستوياته المختلفة.
ثم تأتي مرحلة أخرى لا تقل دلالة: أن يعود رجل أمضى سنوات طويلة في مؤسسات الدولة إلى اللقاء المباشر مع الناس.
وهنا لا ينبغي تحميل مبادرة المؤاخاة أكثر مما تحتمل، ولا تحويل أي نشاط اجتماعي أو وطني إلى مؤشر تلقائي على موقع رسمي قادم. فرئاسة الوزراء، وفق الدستور الأردني، موقع يتم التعيين فيه بإرادة ملكية، ولا توجد قاعدة سياسية تقول إن المبادرات الاجتماعية تقود بالضرورة إلى المواقع التنفيذية.
لكن السياسة لا تُقرأ فقط بما حدث، وإنما أيضًا بما تكشفه حركة المجتمع من احتياجات وأسئلة.
والأردن في 2026 ليس أردن 2013.
فالضغوط الاقتصادية والاجتماعية والإقليمية تغيرت، كما ارتفعت أهمية الثقة بالمؤسسات، والاستماع إلى المحافظات، وإيجاد قنوات اتصال أكثر فاعلية بين الدولة والمواطن. ولذلك فإن النقاش حول الحكومات المقبلة لا ينبغي أن يبقى محصورًا في تداول الأسماء، بل يمتد إلى السؤال عن طبيعة الخبرة التي تحتاجها كل مرحلة، وقدرة المسؤول على الجمع بين المعرفة بالمؤسسات وفهم المجتمع.
ومن هنا تصبح تجربة عوض خليفات حالة تستحق القراءة سياسيًا، لا لأنها تمنح صاحبها حقًا مكتسبًا في أي موقع، ولا لأن عام 2013 أنشأ «دينًا سياسيًا» ينبغي سداده بعد سنوات، وإنما لأنها تجمع بين تجربتين مختلفتين: تجربة المسؤول الذي عرف الدولة من داخلها، وتجربة الشخصية العامة التي تعود إلى المجتمع وتشارك في لقاءاته وأسئلته وهمومه.
وهذا ربما هو الدرس الأهم في استعادة قصة 2013 اليوم.
فالدولة لا تحتاج إلى العيش على ذكريات رجالها، كما أنها لا تستطيع أن تبدأ في كل مرحلة من نقطة الصفر. الخبرة المتراكمة تصبح ذات قيمة عندما تظل قادرة على فهم واقع جديد، لا عندما تكتفي بالاستناد إلى سجل قديم.
وفي 2013 دخل اسم عوض خليفات دائرة المشاورات من باب الدولة، وبعد ثلاثة عشر عامًا يعود حضوره إلى النقاش من باب المجتمع.
وبين البابين تمتد تجربة سياسية وإدارية وأكاديمية تستحق أن تُقرأ في سياقها، بعيدًا عن صناعة البطولات، وبعيدًا كذلك عن تجاهل ما تراكم من خبرة.
أما السؤال الحقيقي فليس: من كان أولى بالموقع عام 2013؟
ولا حتى: من سيذهب إلى الدوار الرابع غدًا؟
السؤال الأعمق هو: عندما تدخل الدولة مرحلة جديدة، كيف تستفيد من خبرات رجالها؟ وكيف تجمع بين التجربة المتراكمة وتجديد أدوات الحكم، وبين معرفة الدولة من الداخل والقدرة على سماع المجتمع من الخارج؟
ذلك سؤال لا يتعلق بعوض خليفات وحده، بل بكيفية احتفاظ الدولة بذاكرتها السياسية، وتجديد أدواتها، واختيار الخبرة القادرة على قراءة الأردن كما هو اليوم، لا كما كان بالأمس.

