تجربتي .. في حلّ مشكلات العمل الكبيرة (( التجربة الأولى ))

8 د للقراءة
8 د للقراءة
تجربتي .. في حلّ مشكلات العمل الكبيرة (( التجربة الأولى ))

صراحة نيوز – عوض ضيف الله الملاحمة

أفاق العالم يوم السبت ١٩٨٦/٤/٢٦ الساعة ١:٢٣ فجراً بالتوقيت المحلي على خبر إنفجار مفاعل تشيرنوبل المفاعل رقم ( ٤ ) .

كنت وقتها أعمل في أبوظبي ، كمدير عام لمجموعة قابضة ، تمتلك ( ٦ ) مؤسسات تجارية متنوعة النشاطات ، مالكها شيخ جليل القدر . ومن ضمن المجموعة مؤسستين للسفر والسياحة ، الأولى GSA ، والثانية IATA . وكانت الأولى وكيل عام الخطوط الجوية البلغارية ، ووكيل عام السياحة البلغارية في منطقة الخليج العربي . وكانت الخطوط الجوية البلغارية تسيِّر رحلة إسبوعية منتظمة بين أبوظبي وصوفيا . وتدارسنا مع الشيخ المالك تشغّيل رحلات مستأجرة مدفوعة القيمة مُقدماً ( Charter Flights ) خلال فصل الصيف لنقل السياح من أبوظبي الى منتجعات البحر الأسود في بلغاريا ، والعكس ، كوننا وكلاء السياحة البلغارية ووكلاء الخطوط البلغارية . ووافق المالك على الفكرة . خطورة هذا النشاط تكمن في ان ثمن كامل الرحلات التي يتم الإتفاق عليها خلال موسم الصيف ، والتي تتراوح بين ( ١٦ — ١٨ ) رحلة تُدفع مقدماً ، عند توقيع الإتفاقية في شهر آذار ، ولنا الحق في إشغال سعة الطائرة كاملة ، والتي تتراوح بين ( ١٩٠ — ٢٠٠ ) راكب .

بدأنا التفاوض مع الخطوط البلغارية ، وبعد الإتفاق على كافة التفاصيل ، سافرت وبرفقتي المدير المختص ، ووقعنا الإتفاقية ، كما وقعنا إتفاقيات مع الفنادق في منطقة منتجعات البحر الأسود . بعدها عدنا ، وسددنا القيمة المستحقة للرحلات ، وحجوزات الفنادق . عملنا بجهد مكثف لتسويق الرحلات ، ورصدنا جوائز مغرية ، وكانت الجائزة الكبرى بوليصة تأمين على الحياة بمبلغ ( ١ ) مليون درهم ، والجائزة الثانية سيارة هوندا أكورد ، بالإضافة الى مئات الأجهزة الكهربائية وغيرها . وبدأنا حملة إعلانية مكثفة ومُكلفة جداً . وحددنا بداية شهر ( ٦ ) لإنطلاق الرحلات .

شهدت الحجوزات إقبالاً كبيراً . لدرجة اننا حولنا ساعات عمل الموظفين الى ورديات ، ينتهي دوام الوردية الليلية الساعة ( ١٢ ) منتصف الليل . ووصلت أعداد الحجوزات بالمئات يومياً ، مما بشر بموسم سياحي ناجح .

أفقنا على كارثة بيئية عالمية ، خطيرة وغير مسبوقة . صحونا على خبر إنفجار مفاعل تشيرنوبل . ساد التوتر الممزوج بالخوف . فلا أحد يعرف إنعكاس الإشعاعات النووية على الإنسان والحياة عامة . وكنا نجهل كل ما يتعلق بهذا الإنفجار ، ومعرفتنا محصورة في ان الإنفجار سيتسبب بإنتشار إشعاعات قاتلة لكل شيء حيّ ، دون ان نعرف مداها ، والدول التي ستتلوث بها .

بدأت المعلومات التي تصل تحدد الدول التي تأثرت بالتلوث الإشعاعي . وكانت بعض التقارير تؤكد تأثر المنتجعات البلغارية على البحر الأسود ، وبعضها تنفي . مما أدى الى توافد السياح الذين حجزوا على رحلاتنا بالمئات ، طالبين إلغاء حجوزاتهم ، وإستعادة المبالغ التي دفعوها . هاتفني مدير المؤسسة وابلغني بتوافد الناس ، مطالبين بإستعادة ما دفعوا . طلبت منه التحدث اليهم وطمأنتهم بأنهم سوف يستعيدون ما دفعوا كاملاً اليوم . وطلبت منه ان يبلغ المدير المالي بأن يصدر شيكاً بمبلغ كبير وان يأتي لتوقيعه مني ، ويسحب المبلغ ويعود للمكتب لبدء الصرف . وخلال بضعة أيام أُلغيت كافة الحجوزات ، وتم إعادة المبالغ للجميع .

شعرت أنني أمام كارثة حقيقية ، وإنني أنا المطالب كمدير عام ان أبحث عن حلّ لموسمٍ سياحي إنتهى قبل ان يبدأ ، وانه كما الوليد الذي مات قبل ان يرى النور . ودون ان أشعر ، إستقليت سيارتي ، ولم أشعر الا وأنا في منطقة كاسر الأمواج ، وقد فككت ربطة عنقي ، وخلعت الجاكيت ، وجلست على صخرة كبيرة ، ووجهت وجهي لربي مُستغيثاً ومستنجداً ، وللبحر لأستنشق النسيم العليل ، وانا أفكر في حلّ لمشكلة لم يسبق ان حصلت مع غيري للإقتداء بإجتهادات من عاشوها . بعد أقل من ساعة ومضت فكرة مُتَّقِدة في ذهني مفادها : ان أستعين في خبراء الأمم المتحدة المتخصصين في قياس الإشعاعات النووية ، وان أرسل لجنة منهم — ونتحمل الكلفة كاملة — الى منتجعات بلغاريا على البحر الأسود ، ويقدموا لنا تقريراً متخصصاً عن نسبة الإشعاع في منطقة نشاطنا السياحي ويؤكدوا لنا ، هل النسبة آمنة على صحة السياح أم لا ؟ وان يتم تزويدينا بتقرير رسمي من الأمم المتحدة .

لم يكن الهاتف الخلوي مكتشفاً بعد ، لكن كان هناك هاتف السيارة . هرعت للسيارة كما البرق ، وطلبت من السكرتيرة ان تحضر لي هاتف مدير مكتب الأمم المتحدة في أبوظبي ، وان يكون رقم الهاتف لديها قبل وصولي المكتب . وصلت مكتبي ، ولا اعرف كيف وصلت ، طلبت من السكرتيرة الإتصال بمدير مكتب الأمم المتحدة في ابوظبي فوراً ، وصعدت الى مكتبي في الطابق العلوي .

حييته بتحية المتلهف لمساعدته ، وقلت له : هل يمكن ان أُنسق معكم لتكليف لجنة متخصصة بقياس الإشعاعات النووية في منتجعات بلغاريا على البحر الأسود ، على ان تزودوني بتقرير رسمي يحمل خاتم الأمم المتحدة ، ونتحمل نحن كامل الكلفة ؟ ردّ عليّ بكلام الواثق المستعد للتعاون وقال : نعم يمكننا ، لكن مكتبنا في فيينا / النمسا هو المختص بذلك . طِرت من الفرحة ، لأن ربي الهمني بالفكرة ، وان الفكرة قابلة للتنفيذ . طلبت منه اسماء كافة الأشخاص ذوي العلاقة وهواتفهم المباشرة . قال : سأتصل بك بعد دقائق لتزويدك بكل ما تريد ، وفعلاً فعل .

طلبت من سكرتيرتي الإتصال الفوري بالمدير المختص في فيينا وجاءني الرد من الطرف الآخر . وعرّفت بنفسي ، وشرحت مشكلتي ، ووضحت طلبي ، وان تكون نتيجة اللجنة المتخصصة حصولنا على شهادة من الأمم المتحدة ممهورة بخاتمها ، وان ترسل لي بواسطة DHL فوراً . رحب بذلك ، سألته ان يحدد الكلفة ، واسم البنك ورقم الحساب ، وان يرسل لي برنامج الخبراء وغيره من التفاصيل مطبوعاً على ورق الأمم المتحدة . وطلب ان أمهله بضع ساعات . وبعد ساعات وصلني البرنامج التفصيلي للخطوات التي ستتبعها اللجنة في أخذ العينات ، وآلية فحصها ، إنتهاءاً بالكلفة التي بلغت ( ٥٠,٠٠٠ ) دولار أمريكي . وفي صباح اليوم التالي حولنا كامل المبلغ للأمم المتحدة / فيينا .

وبعد حوالي الأسبوع ، وصلتني شهادة الأمم المتحدة ، مؤكدة ان منتجعات بلغاريا على البحر الأسود (( آمنة )) ولم يصلها التلوث .

إتصلت فوراً في رئيس تحرير صحيفة الإتحاد الإماراتية الرسمية ، وطلبت حجز النصف السفلي من الصفحة الأولى لنشر إعلان سأحضره انا بيدي الآن . وترجمت التقرير بخط يدي على الشهادة ومهرته بخاتم مجموعة المؤسسات ، وخاتم مؤسسة السياحة . وفي صباح يوم الإعلان ، تسابق كل الذين الغوا حجوزاتهم ، لإعادة حجوزاتهم ثانية ، وكان موسماً سياحياً ناجحاً بإمتياز والحمد لله ، حيث وصل عدد السياح الى ما يزيد عن ( ٢,٨٠٠ ) سائح خلال ثلاثة شهور .

لا أسرد هذه القصة المُرَّة للإفتخار ، لا والله ، ولكن للتدليل على القدرة على التفكير خارج الصندوق ، والجرأة في إتخاذ القرار ، الذي يوصل الى حلول ناجعة وناجحة ، وإجتراح الحلول للمشكلات الكبرى .

شارك هذا المقال