صراحة نيوز- بقلم: الدكتور أحمد الجداية
مَا الَّذِي يَجْعَلُ امْرَأَةً وَاحِدَةً تَقِفُ فِي غَوْرِ الصَّافِي، فِي حَقْلٍ يَغْلِي مِلْحًا وَيُعْطِي خُبْزًا، فَيَهْتَزُّ لَهَا قَلْبُ وَطَنٍ كَامِلٍ؟
الَّذِي يَجْعَلُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَمْ تَقِفْ لِقَضِيَّتِهَا وَحْدَهَا، هِيَ وَقَفَتْ لِكُلِّ شَيْءٍ نُحِبُّهُ وَنَخَافُ أَنْ نَفْقِدَهُ وَنَحْنُ سَاكِتُونَ، وَقَفَتْ لِفِكْرَةِ أَنَّ الأَرْضَ لَا تُبَاعُ إِذَا كَانَتْ هِيَ الَّتِي تُطْعِمُنَا، وَأَنَّ الكَرَامَةَ لَا تُسَعَّرُ إِذَا كَانَتْ هِيَ الَّتِي تَسْتُرُنَا، وَصَرْخَتُهَا: أَنَا مَا قُلْتِلَّكْ تُوخُذْ أَرْضِي، لَيْسَتْ جُمْلَةً عَاطِفِيَّةً عَابِرَةً، بَلْ هِيَ إِعْلَانٌ فَلْسَفِيٌّ أَنَّ الإِنْسَانَ قَبْلَ المَشْرُوعِ، وَأَنَّ القَلْبَ قَبْلَ الخَرِيطَةِ، وَأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ هُوَ صَاحِبُ الحَقِّ الأَوَّلِ.
التَّحْلِيلُ العَمِيقُ لِلْمَشْهَدِ يَقُولُ إِنَّ القَضِيَّةَ أَكْبَرُ مِنْ تَعْوِيضٍ وَأَكْبَرُ مِنْ مَسَارٍ، القَضِيَّةُ هِيَ كَيْفَ تَفْهَمُ الحُكُومَاتُ مَعْنَى التَّنْمِيَةِ، فَهُنَاكَ تَنْمِيَةٌ تَرَى النَّاسَ أَرْقَامًا، تَنْقُلُهَا مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ، وَهُنَاكَ تَنْمِيَةٌ تَرَى النَّاسَ جُذُورًا، إِذَا اقْتُلِعَتْ مَاتَتِ الشَّجَرَةُ كُلُّهَا. وَالحُكُومَاتُ الرَّشِيدَةُ لَا تَقْتَلِعُ الجُذُورَ لِتَزْرَعَ عَمُودَ كَهْرَبَاءٍ، بَلْ تَجْعَلُ العَمُودَ يَمِيلُ قَلِيلًا لِيَبْقَى الجَذْرُ حَيًّا، لِأَنَّهَا تُدْرِكُ أَنَّ الجَذْرَ إِذَا مَاتَ، فَلَنْ يُضِيءَ العَمُودُ بَيْتًا فِيهِ رُوحٌ.
وَالخَطَرُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ فِي أَنْ تَتَأَخَّرَ سِكَّةٌ، الخَطَرُ أَنْ تَتَأَخَّرَ الثِّقَةُ، فَحِينَ يَرَى المُزَارِعُ فِي الأَغْوَارِ أَنَّ أَرْضًا زَرَعَهَا أَبُوهُ وَجَدُّهُ يُمْكِنُ أَنْ تُؤْخَذَ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَإِنَّهُ لَا يَخَافُ عَلَى أَرْضِ نَبِيلَةَ فَقَطْ، بَلْ يَخَافُ عَلَى بَيْتِهِ، وَعَلَى حَقْلِهِ، وَعَلَى اسْمِهِ. وَهَذَا الخَوْفُ إِذَا تَسَرَّبَ إِلَى القُلُوبِ، فَإِنَّهُ يُطْفِئُ شَيْئًا أَخْطَرَ مِنَ الكَهْرَبَاءِ، يُطْفِئُ الِانْتِمَاءَ، وَالِانْتِمَاءُ لَا يَعُودُ بِقَرَارٍ، إِنَّمَا يَعُودُ بِعَدَالَةٍ، وَالعَدَالَةُ هُنَا أَنْ نَقُولَ لِنَبِيلَةَ: أَنْتِ عَلَى حَقٍّ فِي أَنْ تَخَافِي، وَنَحْنُ مَسْؤُولُونَ عَنْ أَنْ نُطَمْئِنَكِ.
وَمَنْ حَاوَلَ أَنْ يَقِفَ فِي وَجْهِهَا، ظَنَّ أَنَّهُ يُدَافِعُ عَنْ مَشْرُوعٍ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ يُضْعِفُ المَشْرُوعَ نَفْسَهُ، لِأَنَّ المَشْرُوعَ الَّذِي يَبْدَأُ بِدَمْعَةِ امْرَأَةٍ، لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا بِمَسْحِ هَذِهِ الدَّمْعَةِ، وَالمَشْرُوعَ الَّذِي يَمُرُّ فَوْقَ قَلْبِ فَلَّاحَةٍ، سَيَبْقَى يَهْتَزُّ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ قِطَارٌ، أَمَّا المَشْرُوعُ الَّذِي يَمُرُّ بِجَانِبِ قَلْبِهَا وَيَحْتَرِمُهُ، فَسَيَحْرُسُهُ النَّاسُ بِأَعْيُنِهِمْ، لِأَنَّهُ أَصْبَحَ مَشْرُوعَهُمْ.
وَفِي العُمْقِ الرُّوحَانِيِّ الَّذِي يُبْكِي العُيُونَ، نَبِيلَةُ لَا تَتَحَدَّثُ عَنْ مِلْكِيَّةٍ، بَلْ تَتَحَدَّثُ عَنْ سِتْرٍ، فَالأَرْضُ عِنْدَهَا هِيَ السِّتْرُ، إِذَا ذَهَبَتْ ذَهَبَ السِّتْرُ، وَهِيَ تَرَاهَا كَمَا يَرَى العَابِدُ سَجَّادَتَهُ، كَمْ سَجَدَتْ فِيهَا؟ وَكَمْ دَعَتْ فِيهَا؟ وَكَمْ قَالَتْ: يَا رَبِّ؟ هَذِهِ الأَرْضُ شَاهِدَةٌ عَلَى دُعَائِهَا، وَعَلَى دَمْعِهَا، وَعَلَى تَعَبِهَا، وَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، فَهِيَ لَمْ تَطْلُبْ رِزْقَهَا مِنْ أَحَدٍ، طَلَبَتْهُ مِنَ اللهِ ثُمَّ مِنْ يَدَيْهَا، فَهَلْ نَقْطَعُ يَدًا امْتَدَّتْ إِلَى السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ تَمْتَدَّ إِلَى التُّرَابِ؟
إِنَّ الزِّرَاعَةَ فِي دِينِنَا لَيْسَتْ مِهْنَةً فَقَطْ، بَلْ هِيَ عِبَادَةٌ، وَمَنْ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ كَانَ لَهُ صَدَقَةً، فَهَذِهِ المَرْأَةُ تَتَصَدَّقُ عَلَيْنَا كُلَّ يَوْمٍ دُونَ أَنْ نَشْعُرَ، وَتَحْمِلُ عَنَّا وَاجِبَ إِطْعَامِ النَّاسِ، فَهَلْ يَكُونُ جَزَاءُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُنْزَعَ؟ هَذَا هُوَ الَّذِي يُدْمِي القَلْبَ، أَنَّنَا نَطْلُبُ مِنْهَا أَنْ تَبْقَى صَامِدَةً فِي الغَوْرِ، فِي الحَرِّ وَالمِلْحِ، ثُمَّ حِينَ تَصْمُدُ نَقُولُ لَهَا: شُكْرًا لَكِ، وَالآنَ اتْرُكِي الأَرْضَ.
وَلَقَدْ أَعْطَانَا جَلَالَةُ المَلِكِ عَبْدِ اللهِ الثَّانِي المِيزَانَ الَّذِي لَا يَضِلُّ، حِينَ قَالَ: *”كَرَامَةُ الإِنْسَانِ الأُرْدُنِّيِّ عِنْدِي أَهَمُّ وَفَوْقَ كُلِّ الاعْتِبَارَاتِ”*، وَهَذِهِ لَيْسَتْ كَلِمَةً لِلْخِطَابِ، بَلْ هِيَ أَمْرُ عَمَلٍ، فَكَرَامَةُ نَبِيلَةَ فَوْقَ كُلِّ اعْتِبَارٍ، فَوْقَ كُلِّ خَرِيطَةٍ، وَفَوْقَ كُلِّ تَأْخِيرٍ. وَقَالَ جَلَالَتُهُ: *”الأُرْدُنِّيُّ الَّذِي زَرَعَ فَأَطْعَمَ، الَّذِي تَمَيَّزَ فَرَفَعَ رُؤُوسَنَا بَيْنَ الشُّعُوبِ”*، وَهَذَا هُوَ تَعْرِيفُ نَبِيلَةَ الحَقِيقِيُّ، امْرَأَةٌ زَرَعَتْ فَأَطْعَمَتْ، فَرَفَعَتْ رَأْسَنَا، فَلَا تَكْسِرُوا رَأْسَ مَنْ رَفَعَ رُؤُوسَكُمْ.
كُلُّ مَنْ يَقْرَأُ حِكَايَتَهَا سَيَرَى أُمَّهُ فِيهَا، وَسَيَرَى جَدَّتَهُ الَّتِي كَانَتْ تَعْجِنُ فِي الصَّبَاحِ، وَسَيَرَى بَيْتَهُ القَدِيمَ، وَرَائِحَةَ خُبْزِ الطَّابُونِ، وَصَوْتَ أَبِيهِ وَهُوَ يَقُولُ: الأَرْضُ عِرْضٌ. وَهَذَا هُوَ سِرُّ أَنَّ الدَّمْعَةَ تَنْزِلُ وَحْدَهَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ دَمْعَةً عَلَيْهَا وَحْدَهَا، بَلْ هِيَ دَمْعَةٌ عَلَيْنَا جَمِيعًا، عَلَى خَوْفِنَا أَنْ نُصْبِحَ بِلَا جُذُورٍ، وَبِلَا ذَاكِرَةٍ، وَبِلَا سِتْرٍ.
فَاتْرُكُوهَا تَزْرَعُ، وَاجْعَلُوا مِنْ قِصَّتِهَا نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ، كَيْفَ نَبْنِي سِكَّتَنَا وَنَحْفَظُ قُلُوبَنَا، وَكَيْفَ نُطَوِّرُ أَرْضَنَا دُونَ أَنْ نَخُونَ أَرْضَنَا، وَكَيْفَ تَكُونُ الحُكُومَاتُ كَبِيرَةً حِينَ تَنْحَنِي لِتُقَبِّلَ يَدَ فَلَّاحَةٍ، فَالوَطَنُ لَا يُبْنَى بِالحَدِيدِ فَقَطْ، بَلْ يُبْنَى بِدُعَاءٍ يَخْرُجُ مِنْ غَوْرِ الصَّافِي فِي الفَجْرِ، دُعَاءِ امْرَأَةٍ تَقُولُ: يَا رَبِّ احْفَظْ هَذَا التُّرَابَ وَأَهْلَهُ، فَيَسْمَعُهُ اللهُ، وَيَسْمَعُهُ النَّاسُ، وَيَبْقَى.

