صراحة نيوز – بقلم: الدكتور أحمد الجداية
*للتاريخِ وللأمانةِ أقولُها واضحةً لا لَبسَ فيها:* أنا لا أعرفُ أمينَ عمّان شخصيّاً، لم ألتَقِ به، ولم يجمعني به سلامٌ ولا كلام، فأنا لا مصلحةَ لي في الأمانةِ لا أنا ولا أحدٌ يخُصُّني، فأنا أعيشُ في إحدى قُرى إربدَ المنسيّةِ بين الدَّحنونِ والزَّعتر، ولا أبحثُ عن قُربٍ ولا عن مصلحة. أنا رجلٌ لا أُجاملُ حين يتعلّقُ الأمرُ بترابِ الأردنِ وكرامةِ أهله، أكتبُ اليومَ ليس دفاعاً عن رجل، بل دفاعاً عن نهجٍ بدأنا نلمسُه، وإن خذلَنا هذا النّهجُ غداً سنكونُ أوّلَ من يُهاجمُه بنفسِ القوّة.
ما كان يجري في عمّان خلالَ السنواتِ الماضيةِ لم يكن فساداً إداريّاً عاديّاً، كان اختطافاً كاملاً لمدينة. مدينةٌ كاملةٌ كانت رهينةً بيدِ إمبراطوريّاتٍ صغيرةٍ من الموظّفين الكبارِ الذين بنَوا لأنفسهم ممالكَ داخلَ الأمانة، كلُّ واحدٍ منهم يملكُ مفاتيحَ منطقة، وتوقيعُه يُحيي ويُميت، يمنحُ الترخيصَ لمن يُقبّلُ يده، ويُعطّلُ معاملةَ الفُقراءِ شُهوراً حتى ييأسوا. كانوا يتصرّفون كأنّهم فوقَ القانون، بل هم القانونُ نفسه، يُفصَّلُ على مقاسِ أصدقائهم ومتنفّذيهم، وتُحاكُ التنفيعاتُ لإرضاءِ سينٍ من السياسيّين وعينٍ من المتنفّذين، قطعةُ أرضٍ تُمنحُ هنا، واستثناءُ بناءٍ يُمرَّرُ هناك، ووظيفةٌ وهميّةٌ تُخلقُ لإرضاءِ متنفّذٍ وحوت.
وأخطرُ تلك الممالكِ كانت جيشُ الأشباح. لا أُبالغُ إن قلتُ إنّ في كُشوفاتِ أمانةِ عمّان كان هناك مئاتُ الأسماءِ التي لا وجودَ لها إلّا يومَ الرّاتب. أسماءٌ تقبضُ ولا تُداوم، تأخذُ ولا تُعطي، كأنّها سرابٌ في صحراءِ الفساد. موظّفونَ أشباحٌ موجودونَ في النّظام، لهم رواتبُ وحوافزُ ومكافآت، بينما الشّابُ الأردنيُّ المؤهّلُ يقفُ على بابِ الأمانةِ ينتظرُ فرصةً لا تأتي. هذا ليس هدراً للمالِ العامِ فقط، هذه جريمةٌ أخلاقيّةٌ بحقِّ العدالة، أن تُعطيَ من لا يستحقُّ على حسابِ من يستحقّ.
ثمّ انظر إلى الرّصيف، فالرّصيفُ هو مرآةُ الدّولة. حين تمشي في شوارعِ عمّانَ الغربيّةِ سابقاً، كنتَ تظنُّ نفسكَ تمشي في ضيعةٍ خاصّة. قصورٌ تبتلعُ الرّصيف، حجرٌ طبيعيٌّ مزروعٌ أمامَ بوّابةِ القصرِ ليمنعَ المرور، أحواضُ زينةٍ ممتدّةٌ مترين في الشّارعِ العام، حواجزُ حديديّةٌ وجنازيرُ وكاميراتٌ تقولُ لك بوضوح: ممنوعُ المرور، هذا شارعُ الباشا. كانت الأمُّ التي تدفعُ عربةَ طفلِها تُجبرُ على النزولِ إلى نهرِ السيّاراتِ لتعبر، والطّالبُ كان يُزاحمُ الباصاتِ لأنّه لا يجدُ رصيفاً يمشي عليه، لأنّ متنفّذاً قرّرَ أنّ رصيفَ الدّولةِ هو سورٌ لقصره. هذا لم يكن ذوقاً سيّئاً، كان احتلالاً للمُلكِ العام، كان رسالةً طبقيّةً تقولُ إنّ هناك مواطنين درجةً أولى لهم الشّارعُ والرّصيف، ومواطنين درجةً ثانيةً لهم الإسفلتُ وخطرُ الموت.
ما يفعلهُ النّهجُ الجديدُ اليومَ هو تفكيكُ هذه المنظومةِ من جُذورها. عندما تبدأُ الجرّافاتُ بإزالةِ كلِّ العوائقِ من الأرصفةِ دونَ استثناء، من عبدون إلى صويلح، من دابوق إلى الأشرفيّة، فأنت لا تُزيلُ حجراً، أنت تُسقطُ هيبةً زائفةً لمتنفّذٍ ظنّ أنّ الدّولةَ لا تستطيعُ الاقترابَ من سورِ قصره. هذه ضربةٌ سياسيّةٌ بامتياز، لأنّها تقولُ إنّ القانونَ إذا لم يُطبَّق على القويِّ قبلَ الضّعيفِ فهو ليس قانوناً.
وعندما تُضربُ إمبراطوريّاتُ الموظّفين السّابقين، وتُجرى تنقّلاتٌ واسعةٌ تُزيحُ من اعتادَ أن يكونَ هو الآمرُ النّاهي لعشرينَ عاماً، ويُفتحُ ملفُّ الدّوامِ والبصمةِ والمحاسبةِ الحقيقيّةِ، ويُسألُ أين كان فلانٌ طوالَ السّنةِ وهو يتقاضى راتبه، فأنت لا تُجري حركةً إداريّةً، أنت تُعلنُ أنّ زمنَ الدّولةِ العميقةِ داخلَ الأمانةِ قد انتهى، وأنّ الوظيفةَ ليست إرثاً عائليّاً، ولا مكافأةَ نهايةِ خدمةٍ لمن لا يخدم.
إنّ جوهرَ السّياسةِ التي نُريدها في الأردنِ كلّه، وليس في عمّانَ وحدها، هو أن يكونَ هناك قرارٌ واحدٌ واضحٌ، لا يتغيّرُ بتغيّرِ الواسطة. قرارٌ يقولُ إنّ مصلحةَ الأردنِ فوقَ مصلحةِ سينٍ وعين. لقد تعبَ الأردنيّون من سياسةِ التّرضيات، تعبوا من أن تُعطى المناصبُ والتّراخيصُ والاستثناءاتُ لإرضاءِ هذا وذاك، بينما حقُّ المواطنِ البسيطِ يُؤجَّلُ إلى يومِ القيامة. التغييرُ الحقيقيُّ يبدأُ حين يشعرُ المواطنُ أنّ القرارَ لا يُباعُ في بازارِ التّنفيعات.
وهنا نعودُ إلى المدرسةِ الهاشميّةِ التي علّمتنا أنّ الإدارةَ أخلاقٌ قبلَ أن تكونَ إجراءات. يقولُ جلالةُ الملكِ عبد الله الثاني: *”لا حصانةَ لفاسد، ولا حمايةَ لفاسد، ولا مكانَ لفاسدٍ بيننا”*. ويقولُ جلالتُه: *”خدمةُ المواطنين وتحسينُ حياتِهم هو الغايةُ من وجودِ الدّولة، وأيُّ مسؤولٍ لا يُدركُ ذلك لا يستحقُّ أن يكونَ في موقعِه”*. ويقولُ جلالتُه كلمتَه الخالدةَ التي يجبُ أن تُكتبَ على مدخلِ كلِّ مؤسّسة: *”كرامةُ الأردنيِّ فوقَ كلِّ اعتبار، ومن يمسُّ كرامتَه كأنّه يمسُّ هيبةَ الدّولة”*.
أليست كرامةُ الأردنيِّ أن يمشيَ على رصيفٍ آمن؟ أليست كرامتُه أن يرى وظائفَ الدّولةِ تذهبُ لمن يستحقُّها لا لمن يملكُ واسطة؟ أليست كرامتُه أن يرى القانونَ يُطبَّقُ على قصرِ المليونيرِ كما يُطبَّقُ على بسطةِ الفقير؟
إنّ عمّانَ اليومَ لا تحتاجُ إلى تجميلٍ، تحتاجُ إلى تطهير. تطهيرٍ من ثقافةِ الأشباحِ والتّنفيعاتِ والحواجزِ الحديديّةِ التي زرعها المتنفّذون في عقولِ الموظّفين قبلَ أن يزرعوها في الشّوارع. وإذا استمرّ هذا النّهجُ، نهجُ عدمِ التّهاونِ مع الخطأِ مهما كان صاحبُه، ونهجُ الاستماعِ للنّاسِ والعودةِ إلى الميدانِ بدلَ المكتب، فإنّ عمّانَ لن تعودَ مجرّدَ مدينة، ستعودُ عاصمةً لوطنٍ يحترمُ نفسَه.

