في عصر الذكاء الاصطناعي.. نريد نقابة أذكى لا نقابة أكبر! قراءة تفكيكية في تعديلات قانون “المهندسين”: هل تعيد إنتاج البيروقراطية القديمة بنصوص جديدة؟

6 د للقراءة
6 د للقراءة
في عصر الذكاء الاصطناعي.. نريد نقابة أذكى لا نقابة أكبر! قراءة تفكيكية في تعديلات قانون "المهندسين": هل تعيد إنتاج البيروقراطية القديمة بنصوص جديدة؟

صراحة نيوز- د. نضال الزعبي  

بروفيسور الهندسة النووية

وصفت أوساط حقوقية ونقابية المسوّدة الأخيرة للتعديلات القانونية التي أوصت بها الهيئة المركزية لنقابة المهندسين الأردنيين بـ المخيبة للآمال والانتكاسة التشريعية ؛ كونها جاءت باهتة وقاصرة عن مواكبة العصر، وعاجزة عن تقديم حلول حقيقية للجذور الهيكلية للأزمة المادية والإدارية الحادة التي تعصف بالنقابة، والتي أوصلتها مؤخراً إلى منعطف تاريخي حرج تمثّل في وقف رواتب المتقاعدين، واهتزاز ثقة بنيوية تراكمت عبر عقود. وبدلاً من إصلاح جذري للمنظومة، أنتجت اللجان المشتركة تعديلات هزيلة ومثيرة للشفقة، لا تلبي الحد الأدنى من تطلعات الشارع الهندسي أو متطلبات الرقابة الرشيدة.

إن المطبخ التشريعي الذي أنتج هذه النصوص يغفل حقيقة كبرى: أن النقابة في جوهرها ليست مبنى، ولا فرعاً، ولا لجنة، ولا موظفاً؛ بل هي خدمة، وحماية، وتمثيل، وتأهيل، واستدامة لأموال المهندسين وحقوقهم. المهندس اليوم لا يريد مؤسسة متضخمة ومعقدة الإجراءات؛ بل يريد إنجاز معاملاته بكبسة زر من هاتفه، والحصول على خدمات مهنية وتأمينية وتقاعدية مرنة تتبع احتياجاته، بدلاً من أن يتكيف هو قسراً مع الهياكل الجامدة للمؤسسة.

العهد الأخلاقي: أزمة المتقاعدين وجيل البناة

وهنا يجب التأكيد على أن إعادة بناء الثقة بهذه النقابة العريقة يبدأ أولاً وقبل كل شيء من الوفاء بالتزاماتها، وحماية حقوق ما يزيد عن عشرين ألف متقاعد من كبار المهندسين؛ أولئك الذين تخرّجوا في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، واغتربوا في دول المنطقة والعالم، ولم ينسوا يوماً واجباً تجاه نقابتهم، فاقتطعوا من قوت عيالهم وعرق جبينهم ليرسلوا اشتراكاتهم بانتظام على مدى أكثر من ثلاثين عاماً. هؤلاء هم الرعيل الأول وجيل البناة الذين رُفعت ركائز هذه النقابة على كواهلهم، وأي مسودة تشريعية تحاول اليوم الالتفاف على حقوقهم التقاعدية أو سلبها، لن تكتفي بهدم الالتزام الأخلاقي والقانوني للمؤسسة، بل ستهدم أساس النقابة وتُجهِض ما تبقى لها من ثقة.

فروع المحافظات والنموذج القديم: كلفٌ باهظة بلا عائد

تضعنا البيانات المالية الواردة في التقرير السنوي للنقابة أمام أرقام صادمة تستدعي المكاشفة؛ إذ تبلغ رواتب وأجور العاملين في الفروع نحو 1.7 مليون دينار، بينما تتجاوز مصاريفها التشغيلية 2.2 مليون دينار. هذه الكلف الكبيرة تُطرح اليوم في صلب النقاش: هل تقدم هذه البنية المادية قيمة مضافة تتناسب مع كلفتها؟ وهل ما زال هذا النموذج صالحاً في عصر تستطيع فيه المنصات الرقمية تقديم الخدمة على مدار الساعة؟

المقصود هنا ليس إلغاء حضور النقابة في المحافظات، بل إعادة تعريف هذا الحضور؛ ليتحول من “مبانٍ مستهلكة للموارد” إلى مراكز خدمات ذكية، أو نقاط خدمة رشيقة، أو منصات إلكترونية هجينة. المؤسسة الحديثة لا تسأل: “كيف نحافظ على مبنى الفرع؟“، بل تسأل: “ما هي الطريقة الأسرع والأقل كلفة لخدمة المهندس؟“. إن أموال صناديق التقاعد والتأمين ليست بنداً محاسبياً عادياً، بل هي شبكة الأمان الاجتماعي لآلاف العائلات، وكل دينار يُهدر في تضخم إداري هو اقتطاع مباشر من حقوق المتقاعدين.

مهندسون مغتربون بلا صوت ولاخدمات

تكتسب هذه الأسئلة مشروعيتها القصوى أمام المعطيات الديموغرافية الراهنة؛ فحسب تصريح مدير صندوق التقاعد، المهندس أحمد البو، فإن نحو 5% فقط من المهندسين يزاولون المهنة داخل الأردن، بينما النسبة الساحقة تعمل في الخارج أو انتقلت لقطاعات اقتصادية أخرى.

هذا الرقم ينسف الفلسفة القديمة للعمل النقابي من أساسها؛ فكيف تصمم النقابة خدماتها ومشاركة اعضائها بناءً على “الحضور الجغرافي والمكاني” بينما جلّ أعضائها في الخليج، أو أوروبا، أو أمريكا؟ الإجابة المنطقية تفرض تحولاً راديكالياً من نقابة تعتمد على المكان إلى نقابة تتمحور حول الخدمة الرقمية العابرة للحدود.

التشريع كأداة تحرير.. والتحول الرقمي ليس رفاهية

إن التعامل مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد “موقع إلكتروني جديد” أو “خيار تجميلي مؤجل” هو خطأ استراتيجي قاتل؛ فالرقمنة هي إعادة بناء شاملة لآليات إدارة العضوية، والمشاركة بالانتخابات، وتحصيل الاشتراكات، وتحليل البيانات، واتخاذ القرار الرشيد.

القانون ليس غاية بحد ذاته، بل وظيفته تحرير المؤسسة ومنحها المرونة للتكيف. وإذا كانت التعديلات التشريعية الحالية ستبقي الهياكل البيروقراطية نفسها، وتكتفي بإعادة توزيع الصلاحيات وتأجيل الأزمات، فإننا نكون قد عدّلنا القانون دون أن نصلح المؤسسة.

شجاعة القرار: الرسالة المباشرة للمجلس

المطلوب اليوم من نقيب المهندسين، الزميل عبدالله غوشة، ومجلس النقابة، ليس الدفاع المستميت عن تركات إدارية لم تعد صالحة لمجرد أنها قائمة، بل امتلاك شجاعة القرار وفتح الملفات المعقدة: راجعوا الفروع، والمباني، والنفقات التشغيلية، واللجان المتداخلة، وضعوا كل بند في الموازنة تحت مقصلة سؤال واحد: هل يخدم هذا الإجراء مهندس القرن الحادي والعشرين؟

إن القرار الإداري الشجاع لا يعني المحافظة على الهياكل المتآكلة استرضاءً للتوازنات، بل يكمن في معرفة ما الذي يجب أن يبقى، وما الذي انتهى دوره ويجب دمجه أو إلغاؤه بناءً على دراسات مهنية واضحة.

 

الخلاصة: سحب التعديلات وإشعال ثورة التحديث؟

إذا كانت التعديلات المطروحة عاجزة عن معالجة جذور الاختلالات الإدارية والمالية، ولا تفتح الباب لنقابة “أذكياء لا أجراء”، فإن سحب هذه التعديلات أو إعادة صياغتها بالكامل يصبح ضرورة مؤسسية وواجبًا نقابيًا.

المهندسون لا يحتاجون إلى مؤسسة أكبر، بل يحتاجون إلى نقابة أكثر كفاءة، وأكثر رشاقة، وأكثر شفافية يثقون بها لعقودقادمة. لقد حان الوقت للانتقال من سؤال العجز: “كيف نحافظ على ما هو قائم؟“ إلى سؤال المستقبل: “كيف نبني نقابة قادرة على الوفاء بالتزاماتها وحماية حاضر ومستقبل مهندس أردني متقاعد او يعمل في اقتصاد القرن الحادي والعشرين؟“.. هذا هو التحديث الحقيقي، وهذا هو الاختبار الذي ستسقط أمامه أو تنجح أي تعديلات تشريعية مقبلة.

شارك هذا المقال