لا توزروا الأحزاب فتنسفوا مخرجات التحديث السياسي

3 د للقراءة
3 د للقراءة
لا توزروا الأحزاب فتنسفوا مخرجات التحديث السياسي

صراحة نيوز- كتب أ.د. محمد الفرجات

مضت خمسة أعوام على تشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، التي تشرفت بعضويتها، وكنت تحديداً في لجنة الأحزاب، قبل أن تُرفع مخرجاتها وتبدأ ترجمتها إلى قوانين وممارسات سياسية.

واليوم، ومع ما يُقرأ عن توجهات لتعديل حكومي قد تشمل بعض القيادات الحزبية أو أعضاء من أحزاب، أقول بوضوح: لسنا ضد ذلك، بل يسعدنا أن نرى الكفاءات الحزبية تصل إلى مواقع المسؤولية. لكن القضية التي تستحق التوقف عندها هي: هل نصل إلى النتائج بالتدرج الذي أرادته عملية التحديث، أم نسبق مراحلها؟

فالطموح ما زال أكبر مما نراه اليوم في الحياة الحزبية. ما زلنا ننتظر برامج حزبية أكثر حضوراً ووضوحاً، وصوتاً أقوى للأحزاب التي وصلت إلى البرلمان، وتفاعلاً أوسع مع قضايا الناس، بحيث يشعر المواطن أن للحزب برنامجاً واضحاً وحلولاً قابلة للتنفيذ.

المسألة ليست في وجود وزير حزبي من عدمه؛ بل في السياق السياسي الذي يصل فيه إلى الحكومة. فالحكومة الحزبية التي تستهدفها عملية التحديث ليست حكومة تضم عدداً من الوزراء الحزبيين، وإنما حكومة تأتي نتيجة أغلبية أو ائتلاف برلماني حزبي، يحمل برنامجاً انتخب الناس على أساسه، ويتحمل مسؤولية تنفيذه أمامهم.

أما إذا وصل قيادي أو عضو حزبي إلى الحكومة بالتعيين، فقد يجد نفسه بين برنامج حزبه وبين برنامج حكومة لم تتشكل على أساس أغلبية حزبية. فإن التزم ببرنامج الحكومة قد يُسأل عن برنامج حزبه، وإن حاول تنفيذ برنامج حزبه قد يصطدم بسياسات الحكومة. وفي النهاية قد يدفع الحزب ثمن إشكالية ليست ناتجة عن تجربته الطبيعية.

وهنا تكمن أهمية التدرج الذي قامت عليه فلسفة التحديث: إقناع الشارع، ثم الفوز بثقته، ثم بناء أغلبية برلمانية حزبية، ثم تشكيل الحكومة، مقابل أقلية حزبية تؤدي دور المعارضة والرقابة والتقييم والتقويم.

لا نريد أن نقفز فوق هذه المراحل.

فالأمر يشبه وضع أعمدة الطابق الثالث قبل اكتمال الطابق الثاني؛ قد يبدو البناء قائماً، لكن ترتيب المراحل والأحمال مهم حتى لا نضعف البناء كله.

والأخطر أن نحكم على الأحزاب من خلال تجربة حكومية لم تأتِ أصلاً نتيجة أغلبية حزبية برلمانية. عندها قد تتشكل لدى الشارع أحكام سلبية سابقة لأوانها، بينما التجربة ما زالت في مرحلة النمو.

أنا لا أقول: لا توزروا الحزبيين.

بل أقول: لا تختصروا الطريق إلى الحكومة الحزبية.

دعوا الأحزاب تنضج، وتقنع الناس، وتقدم برامجها، وتبني حضورها البرلماني، ثم عندما تمنحها صناديق الاقتراع أغلبية أو ائتلافاً قادراً على تشكيل الحكومة، فلتتحمل عندها مسؤولية الحكومة كاملة.

عندها يكون الوزير الحزبي وزيراً في حكومة جاءت نتيجة خيار الناس، لا مجرد وزير يحمل عضوية حزب.

أكتب هذه الأفكار الآن وأنا في رحلتي بباصات الجت من العقبة إلى إربد برفقة ابنتي صفا، التي ستتقدم غداً، بعون الله، لامتحاني المستوى في اللغة الإنجليزية والحاسوب، تمهيداً لبدء رحلتها في دراسة الطب في جامعة العلوم والتكنولوجيا.

وربما في ذلك معنى جميل: المستقبل لا يُبنى بالقفز فوق المراحل، وإنما بالسير الصحيح نحوها.

وهكذا ينبغي أن يكون تحديثنا السياسي أيضاً.

لا نريد استعجال الحكومة الحزبية؛ نريد الوصول إليها عندما تصبح نتيجة طبيعية لنضج الأحزاب والبرلمان والمجتمع السياسي.

شارك هذا المقال