صراحة نيوز – لا تتجاوز المسافة بين قرية فقوعة ومدينة جنين 10 كيلومترات، وكانت الرحلة بينهما، قبل 3 سنوات، تستغرق نحو 10 دقائق. أما اليوم، فقد يحتاج المواطن إلى 45 دقيقة أو ساعة للوصول إلى المكان ذاته.
لم تتحرك جنين، ولم تنتقل فقوعة إلى مكان آخر، لكن الطريق بينهما تغيّر.
بوابات حديدية أغلقت مداخل القرى الشرقية لمحافظة جنين، وحواجز قطعت الطرق، وشوارع أُغلقت أو أصبحت خاضعة للمراقبة العسكرية، فيما أطالت الطرق الالتفافية المسافات ورفعت كلفة التنقل.
وفي المقابل، شُقت طرق جديدة لخدمة المستعمرات والمعسكرات، وامتدت البنية التحتية الاستعمارية إلى مناطق كانت، قبل سنوات، جزءًا من المجال الحيوي للقرى والبلدات الفلسطينية.
في قرية فقوعة، لم يعد الوصول إلى جنين مجرد رحلة قصيرة إلى مركز المدينة؛ فالطريق قد يمر اليوم عبر دير أبو ضعيف وأم التوت وجلقموس والجامعة العربية الأميركية والزبابدة وقباطية، وقد يتوقف بالكامل عندما تغلق البوابات أو تنتشر قوات الاحتلال على الشوارع.
والأهم أن التغيير لم يطل الطرق وحدها؛ فالأرض التي كان المزارع يصل إليها بسهولة أصبحت خلف بوابة أو داخل منطقة عسكرية مغلقة، والمستعمرة التي كانت بعيدة باتت محاطة بطريق ومعسكر وبنية تحتية، والقرية التي كانت مرتبطة بالمدينة بطريق مباشر أصبحت تعتمد على طرق التفافية.
هنا تبدأ قصة ثلاث سنوات غيّرت جغرافيا الضفة الغربية؛ ليس لأن المدن والقرى تحركت من مواقعها، وإنما لأن المسارات التي تصل الفلسطينيين ببعضهم، وبأراضيهم وخدماتهم وأعمالهم، تغيرت بفعل إجراءات متسارعة.
ومن فقوعة شرق جنين، يمكن رؤية هذا التحول في تفاصيل الحياة اليومية: رحلة أصبحت أطول، وأرض أصبحت أبعد، وموسم زيتون بات محفوفًا بالمخاطر، وقرى أصبحت مداخلها تتحكم فيها بوابات يمكن أن تُفتح أو تغلق في أي لحظة.
لكن ما يبدو في فقوعة كإغلاق لطريق، يظهر في بقية محافظة جنين جزءا من صورة أكبر: شبكة من البوابات والحواجز والطرق العسكرية، تتزامن مع الاستيلاء على الأراضي، والتجريف، واقتلاع الأشجار، وإقامة المعسكرات والمستعمرات، وإعادة إحياء مستعمرات أخليت عام 2005.
ومن جنين، تتسع الصورة إلى الضفة الغربية بأكملها، حيث تتقاطع هذه الإجراءات مع التوسع الاستعماري والهدم والاستيلاء على الأراضي والاعتداءات على المزارعين، لتعيد تشكيل الجغرافيا التي يتحرك ويعيش فيها الفلسطينيون.
فقوعة.. طريق تضاعف زمنه وأراضٍ سُرقت
يقول رئيس المجلس القروي في فقوعة بركات العمري، إنّ القرية، التي يبلغ عدد سكانها نحو 5 آلاف نسمة، تقع في محيط تجمعات وبلدات شرقي جنين يبلغ مجموع سكانها نحو 30 ألف نسمة، وإن إجراءات الاحتلال منذ 7 أكتوبر 2023 غيّرت تفاصيل الحياة اليومية بصورة كبيرة.
وبحسب العمري، كان الطريق المباشر بين فقوعة وجنين يستغرق، في الظروف الطبيعية، نحو 10 إلى 12 دقيقة، بينما أصبحت الرحلة اليوم تستغرق بين 45 دقيقة وساعة، خصوصًا عند إغلاق الطرق أو البوابات.
ويقول إن الطريق البديل يمر عبر دير أبو ضعيف، وأم التوت، وجلقموس، والجامعة العربية الأمريكية، والزبابدة، وقباطية، قبل الوصول إلى مدينة جنين.
ولا تقتصر المشكلة على زيادة زمن الرحلة؛ فزيادة المسافة تعني ارتفاع تكاليف النقل، إذ ارتفعت كلفة التنقل في بعض الحالات من نحو 7 أو 7.5 شواقل إلى قرابة 15 شيقلًا، وفق العمري.
ويشير إلى أن الإغلاقات تتكرر بصورة مستمرة، وأحيانًا مرة أو مرتين أسبوعيًا، فيما ترتبط بعض الإغلاقات بتحركات المستعمرين أو مناسبات تقام في المستعمرات.
ويقول العمري: “المنطقة تغيرت 180 درجة”، مشيرًا إلى أن التغيير طال الوضع الاقتصادي والأمني والاجتماعي والنفسي للمواطنين.
وفي فقوعة، لم تعد المشكلة في الطريق إلى المدينة فقط، بل في الطريق إلى الأرض أيضًا.
ويشير العمري إلى أن أوامر جيش الاحتلال تمنع الاقتراب من منطقة جدار الفصل والتوسع العنصري لمسافة تمتد، في بعض المناطق، بين 200 و500 متر، على طول نحو 5 آلاف متر من أراضي القرية.
وبحسب تقديراته، فإن المساحات التي أصبح الوصول إليها صعبًا أو متعذرًا تتراوح بين نحو 3,500 و4,000 دونم، من أصل نحو 8,500 دونم هي مساحة أراضي فقوعة.
وتضم هذه الأراضي مناطق زراعية ومراعي وحقول زيتون، فيما أدى منع الوصول إليها لفترات طويلة إلى تضرر المحاصيل واندلاع حرائق في بعض المناطق، بسبب عدم القدرة على الوصول إليها.
ويضيف العمري أن المستعمرين أقاموا بؤرة جديدة بين فقوعة وعربونة، واستولوا على مساحات واسعة من الأراضي، يقدّرها بنحو ألفي دونم، فيما أصبح الوصول إلى هذه الأراضي متعذرًا حتى بالنسبة إلى أصحابها.
كما أصدر الاحتلال أوامر بالاستيلاء على نحو 750 دونما من أراضي فقوعة في منطقة جبل أبو قيس بين عربونة وفقوعة، وقد جرى تقديم اعتراضات وملفات قانونية بشأنها.
ومع موسم الزيتون، أصبحت المشكلة أكثر وضوحًا؛ إذ لم يتمكن المواطنون من الوصول إلى كامل أراضيهم، فيما تعرضت ثمار الزيتون للسرقة من المستعمرين في أراضٍ عدة، بينها أراضٍ مسجلة رسميًا بأسماء أصحابها.
ويحذر العمري من أن استمرار هذه الإجراءات قد يؤدي إلى عزل قرى شرق جنين عن المدينة وعن بعضها، خصوصًا في ظل وجود نحو عشر بوابات، وإغلاقات على مداخل القرى والطرق في المنطقة.
وتزداد خطورة الأمر بالنسبة إلى الخدمات الصحية، إذ لا يوجد في شرق جنين مستشفى أو مركز صحي كبير، فيما يطالب المواطنون بتشغيل مركز صحي للطوارئ جرى إنشاؤه بجهود محلية.
جنين.. الأرض والطريق والمعسكر
وما يجري في فقوعة صورة مصغرة لتحول أكبر في جنين، كما يصفه مسؤول ملف الاستيطان في محافظة جنين طارق إغبارية، الذي يؤكد أن ما يحدث يمثل “تحولًا ميدانيًا وجغرافيًا غير مسبوق”، مشيرًا إلى انتقال الاحتلال من نمط الاقتحامات والدوريات المؤقتة إلى إنشاء بنية عسكرية واستعمارية ثابتة.
وبحسب تقرير أعده إغبارية، فقد شملت الإجراءات الاستيلاء على أراضٍ، وإنشاء معسكرات، وشق طرق عسكرية، وإقامة بؤر ومستعمرات جديدة، وإعادة تفعيل مواقع مستعمرات أُخليت عام 2005.
ومن أبرز أوامر الاستيلاء: الاستيلاء على 7.247 دونم في حي الجابريات داخل منطقة “أ”، و128.631 دونم من أراضي عرابة لإنشاء معسكر، إضافة إلى 2.8023 دونم في جبع لإنشاء حاجز عسكري على طريق نابلس.
كما جرى الاستيلاء على 516 دونما لشق طريق يربط صانور (ترسلة) بحومش، ونحو 22.806 دونم قرب حوض قباطية ومنطقة قرية حداد السياحية لاستخدامها في إقامة معسكر عسكري.
ويشير إغبارية كذلك إلى استيلاء سلطات الاحتلال على أكثر من 300 دونم غرب يعبد في منطقة السروج، لأغراض مرتبطة بمنطقة صناعية وبؤرة وطريق يصل إلى جدار الفصل والتوسع العنصري، وقد ترافق ذلك مع اقتلاع مئات أشجار الزيتون.
كما صدرت أوامر للاستيلاء على 22.026 دونم في يعبد، فيما جرى في 28 تموز/ يوليو الماضي إصدار 15 أمر وضع يد عسكري على نحو 200 دونم في مناطق قباطية وعرابة ومركة ومسلية، بينها أراضٍ داخل المنطقة “أ”.
وفي عرابة وقباطية ومسلية، جرى كذلك تخصيص نحو 177 دونمًا لطريق عسكري يربط معسكر عرابة، المقام قرب مابو دوتان، بالمستعمرة الجديدة “نوعا” المقامة على أراضي قباطية.
المستوطنات تعيد رسم شبكة الطرق
لا تتوقف إعادة تشكيل الجغرافيا عند إقامة البوابات والحواجز، بل تشمل إنشاء طرق جديدة لخدمة المستعمرات والمعسكرات.
ففي محافظة جنين، يلفت إغبارية إلى إقامة مستوطنات أو مخططات لمستوطنات جديدة، بينها “عيمك دوتان” قرب عرابة، و”روم جلبوع” قرب المغير، و”معيانات” قرب عربونة وفقوعة، و”نوعا” في قباطية، و”شرق سانور” قرب ترسلة، و”تعنخ” قرب تعنك وسيلة الحارثية، و”ألوني شمرون” قرب خربة الخلجان غرب جنين، و”حر بيزك” قرب رمانة.
وفي الوقت نفسه، أعاد الاحتلال إحياء مستعمرات أخليت عام 2005، بينها “كاديم” شرق جنين، و”سانور/ترسلة”، و”حومش” على أراضي جنين ونابلس، و”جانيم” شرق المحافظة.
وفي 22 أيلول، أشار إغبارية إلى نصب عشرة البوابات الحديدية عند مداخل بلدات شرق جنين وقراها، وإغلاق طرق تؤدي إلى الشارع الالتفافي الممتد من الجلمة باتجاه الزبابدة والجامعة العربية الأمريكية، ما يؤثر في حركة أكثر من 30 ألف فلسطيني.
وفي 23 من الشهر نفسه، استمر وضع الكتل الإسمنتية على الشارع الالتفافي الشرقي لمدينة جنين، ما أدى إلى فصل المنطقة عن المدينة وتعقيد وصول الطلبة إلى الجامعة العربية الأمريكية، فضلًا عن تأثيره في الحركة التجارية والاقتصادية.
وفي آب الماضي، أغلقت قوات الاحتلال طرقًا تؤدي إلى الشارع الالتفافي الذي يربط عابا بالزبابدة، بعد هدم عشرات المنشآت التجارية والاقتصادية في عابا، ما أثر في الوصول إلى المدينة والمستشفيات والجامعات.
هكذا يتحول الطريق، الذي كان في الأصل وسيلة للربط بين القرى والمدينة، إلى أداة للتحكم في الحركة.
وعلى طول الطريق الواصل من عجة جنوبًا إلى عرابة ويعبد، نفذت جرافات الاحتلال أعمال تجريف واقتلاع لأشجار الزيتون على جانبي الطريق، تحت حماية قوات الاحتلال. وشملت الأعمال الأشجار الصغيرة والمعمرة، وطالت أكثر من 310 دونمات.
ويقول رئيس مجلس وادي دعوق عبد الناصر حسين الحويطي إن الأضرار طالت عشرات الدونمات، وإن بعض الأشجار التي اقتُلعت تتراوح أعمارها بين 15 و30 عامًا، فيما تصل أعمار بعضها إلى نحو 35 عامًا.
أما عبد الله أبو علي، البالغ من العمر 33 عامًا، فيقول إن الأضرار طالت 16 دونمًا من أرض عائلته، التي زرع والده أشجارها منذ عام 1986.
وفي عرابة، التي تقع إلى الجنوب الغربي من جنين، تتداخل الإجراءات العسكرية والاستعمارية بصورة متسارعة.
ويشير رئيس بلدية عرابة أحمد العارضة إلى أن نحو 1,500 دونم قرب “مابو دوتان” أصبحت غير متاحة لأصحابها منذ بداية الحرب، فيما طالت إجراءات أخرى نحو 1,400 دونم قرب “عيمك دوتان”.
وبحسب العارضة، فقد نفذت قوات الاحتلال أعمال تجريف واقتلاع على مساحة 223 دونمًا في منطقة عرابة، بالتزامن مع إنشاء موقع “عيمك دوتان” وإدخال عائلات إليه وإقامة بنية تحتية وطرق.
وفي قباطية، لم تعد إجراءات الاستيلاء مقتصرة على المناطق المصنفة “ج”، فقد سجلت المحافظة أوامر طالت أراضي داخل المنطقة “أ”، بينها أمر يتعلق بنحو 7.498 دونم في قباطية مقابل المستعمرة الجديدة “نوعا”، لاستخدامها موقعًا عسكريًا.
عمليات الهدم
إلى جانب الطرق والأراضي، غيّرت عمليات الهدم شكل عدد من البلدات والقرى.
ويشير إغبارية إلى إصدار 105 إخطارات هدم بحق مبانٍ سكنية في مناطق مختلفة من محافظة جنين، إلى جانب منشآت تجارية وزراعية واقتصادية.
كما هُدمت 28 بناية سكنية في برطعة، كانت تؤوي أكثر من 130 شخصًا، وهُدم مبنى تجاري في عرابة مساحته نحو 320 مترًا مربعًا، إضافة إلى مبانٍ في عنزة وعرابة ومناطق أخرى.
وفي عابا، هُدمت عشرات المنشآت التجارية والزراعية خلال آب وأيلول، فيما طالت الإخطارات حظائر للخيول والأغنام، وبيوتًا بلاستيكية، ومنشآت زراعية.
وبذلك، لا يقتصر التغيير الجغرافي على الطرق والمساحات المفتوحة، بل يصل إلى النسيج العمراني نفسه، عبر إزالة مبانٍ قائمة ومنع التوسع العمراني الفلسطيني، بالتزامن مع توسيع البنية الاستعمارية والعسكرية.
من جنين إلى الضفة الغربية
ما يحدث في جنين ليس حالة منفصلة؛ فوفق تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الصادر في 4 تشرين الأول، سجلت الضفة الغربية، بما فيها القدس، 62,916 اعتداءً منذ 7 أكتوبر 2023، بينها 48,174 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال و14,742 نفذها المستوطنون.
وسجل التقرير استشهاد 66 فلسطينيا في اعتداءات المستوطنين، و1,182 حريقًا، إضافة إلى تضرر 147,111 شجرة، بينها 100,485 شجرة زيتون. وكان لمحافظة جنين نصيب بلغ 23,658 شجرة متضررة.
كما رصد التقرير 922 حادثة تجريف للأراضي، و2,645 اعتداءً على الأشجار والمحاصيل، و211 محاولة لإقامة بؤر استعمارية جديدة، فيما تعرضت 376 قرية وبلدة وتجمعا فلسطينيا على الأقل لاعتداءات المستوطنين.
وفي مجال الهدم، سجل التقرير 1,814 عملية هدم طالت 5,059 منشأة، بينها 1,894 منزلًا مأهولًا، و1,524 منشأة زراعية، و723 منشأة مرتبطة بسبل العيش.
كما رصد 2,133 إخطارًا بالهدم أو وقف العمل، و7,775 اعتداءً على الممتلكات، و1,120 عملية استيلاء، و1,437 حادثة سرقة.
ولا تقتصر إعادة تشكيل الجغرافيا على الاستيلاء المباشر على الأراضي؛ إذ تتعدد الأدوات التي تؤدي إلى النتيجة نفسها: منع الوصول، وإعلان مناطق عسكرية، وشق الطرق، ووضع اليد، وإعلان أراضي دولة، أو إقامة بنى تحتية عسكرية واستعمارية.
وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فقد خضعت نحو 64.2 ألف دونم من أراضي الضفة الغربية لآليات مختلفة من الاستيلاء أو السيطرة.
وسجلت الهيئة 231 أمرًا أو إجراءً للاستيلاء العسكري على أراضٍ طالت نحو 5,268 دونمًا، بينها 46 أمرًا لإنشاء مناطق عازلة حول المستوطنات، و122 أمرًا مرتبطًا بطرق أمنية وعسكرية.
كما جرى الإعلان عن نحو 29.7 ألف دونم باعتبارها “أراضي دولة”، واتخذت 11 عملية استملاك رسميًا طالت نحو 3,534 دونمًا.
التخطيط الاستعماري يسبق الطريق
وفي موازاة السيطرة على الأرض، تتقدم عملية التخطيط الاستيطاني.
وتشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى إيداع 89 مخططًا في الضفة الغربية، تشمل 19,221 وحدة استعمارية على مساحة تتجاوز 23 ألف دونم، إضافة إلى المصادقة على 148 مخططًا تشمل 24,913 وحدة على مساحة تزيد على 29 ألف دونم.
كما طرحت سلطات الاحتلال 97 مناقصة منذ بدء الحرب لإنشاء 15,760 وحدة استعمارية، بينها 84 مناقصة في الضفة الغربية تشمل 12,872 وحدة، و13 مناقصة داخل حدود بلدية القدس تشمل 2,888 وحدة.
وفي منطقة “E1” وحدها، يشمل التخطيط نحو 3,401 وحدة استيطانية.
وهذا يعني أن الطريق الذي يظهر اليوم كمسار جديد أو التفافي ليس بالضرورة إجراءً منفصلًا؛ ففي كثير من الحالات يأتي ضمن منظومة أوسع تجمع بين الأرض والمخطط والطريق والمستعمرة والمعسكر.
الحواجز.. شبكة تعيد تقسيم الضفة
وتكشف معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، المحدثة حتى 25 أيلول/ سبتمبر 2026، أن منظومة الحواجز والإغلاقات في الضفة الغربية تحولت إلى بنية مكانية واسعة تعيد تشكيل حركة الفلسطينيين وتقطع التواصل بين التجمعات.
وبحسب الهيئة، فقد بلغ عدد الحواجز والعوائق 942 حاجزًا وعائقًا، منها 824 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة، إضافة إلى 118 عائقًا خطيًا من سواتر وخنادق وحواجز طرق، يبلغ مجموع أطوالها نحو 107.7 كيلومتر.
وتتصدر الخليل عدد الحواجز الثابتة بـ221 حاجزًا، تليها رام الله والبيرة بـ160، ونابلس بـ120، فيما سجلت جنين 26 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة، مقارنة بـ16 سابقًا، بعد إضافة 10 بوابات وحواجز جديدة خلال الشهرين الأخيرين.
وشملت النقاط الجديدة في جنين مواقع عند الجلمة، وعرانة، والمنطقة الصناعية، ودير أبو ضعيف، ومدخل جنين، وعابا، وأم التوت، وقباطية، ومحيط الجامعة العربية الأميركية، ومفترق الزبابدة.
وتُظهر المقارنة الزمنية اتساع منظومة الإغلاق من 757 عائقًا عام 2003، إلى 705 عام 2018، و793 في آذار 2024، ثم 925 في كانون الأول 2025، وصولًا إلى 942 في 2026.
ولا تكمن دلالة هذه الأرقام في عدد الحواجز وحده، بل في مواقعها عند مداخل المدن والقرى وعقد الطرق، بما يجعل الوصول إلى أماكن العمل والتعليم والعلاج والأراضي الزراعية مرتبطًا بإمكانية فتح الطريق أو إغلاقه في أي وقت.
وقبل ثلاث سنوات، كان السؤال في كثير من قرى الضفة بسيطًا: كم تبعد القرية عن المدينة؟
اليوم، أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: من أي طريق؟ وهل البوابة مفتوحة؟ وهل يوجد حاجز؟ وهل الطريق العسكري مغلق؟ وهل يمكن الوصول إلى الأرض؟ وهل يسمح الجيش للمزارع بالمرور؟
وهكذا، خلال 3 سنوات، لم تتغير حدود المدن والقرى على الخريطة بالضرورة، لكن تغيرت شبكة العلاقات التي كانت تربطها ببعضها؛ تغيرت جغرافيا الحركة، وجغرافيا الأرض، وجغرافيا الوصول إلى العمل والتعليم والصحة والأسواق.
لقد أصبحت المسافة في الضفة الغربية لا تُقاس بالكيلومترات وحدها، بل بعدد البوابات والحواجز، وباحتمال إغلاق الطريق، وبالقدرة على الوصول إلى الأرض والمدينة والخدمات.
وفي هذا المعنى، فإن الخريطة نفسها لم تعد كما كانت قبل 3 سنوات.

