صراحة نيوز – كتب أ.د. محمد الفرجات
أعادت جريمة كنيسة حمود في محافظة الكرك، التي وقعت يوم الجمعة 23 تشرين الأول 2026، وأسفرت عن استشهاد مواطنين وإصابة آخرين، فتح باب مهم للنقاش حول الأمن المجتمعي، وكيف نحمي مجتمعنا من الفكر المتطرف، ليس فقط بعد وقوع الجريمة، بل قبلها بسنوات، من خلال بناء مجتمع متماسك، ومؤسسات قريبة من الناس، وقنوات حقيقية تلتقط المشكلات قبل أن تتفاقم. وقد أعلنت مديرية الأمن العام فجر الاثنين القبض على المنفذين الثلاثة، فيما تبقى مسؤولية التحقيق في دوافعهم وصلاتهم وأي امتدادات محتملة من اختصاص الجهات المعنية.
وفي هذا السياق، أعتقد أننا بحاجة إلى مراجعة جادة لفكرة لجان الأحياء، وتطويرها من تشكيلات اجتماعية تقليدية، أو لجان خدمية موسمية لا يتذكرها البعض إلا عند الحاجة، إلى منظومة مؤسسية فاعلة، تشكل حلقة وصل دائمة بين المواطن والدولة، وتجمع بين التنمية المحلية والتوعية الإيجابية والوقاية المجتمعية والتنسيق الأمني المسؤول.
فالأمن لا يبدأ عند وقوع الجريمة، ولا تنحصر الوقاية في ملاحقة المجرمين بعد أن يتحول الفكر المنحرف إلى فعل. الأمن يبدأ أيضاً من حياة الناس اليومية، ومن شعورهم بالإنصاف والاهتمام، ومن وجود مؤسسات تسمعهم وتتابع قضاياهم وتعمل معهم لإيجاد الحلول.
الحي ليس مجرد شوارع ومبانٍ
الحي هو المدرسة والبيت والشارع والمسجد والكنيسة والملعب والحديقة والمحل التجاري، وهو شبكة العلاقات الإنسانية التي يتشكل فيها وعي الإنسان وانتماؤه وشعوره بالمسؤولية تجاه مجتمعه ووطنه.
وفي الحي تتراكم، أو تُحل، كثير من المشكلات التي تؤثر في جودة الحياة. هناك أسر تعاني ضغوطاً اقتصادية، وشباب يبحثون عن فرص عمل ولا يجدونها، وأزواج يواجهون أزمات أسرية، ونساء يحتجن إلى الدعم والحماية، وأطفال يحتاجون إلى بيئة آمنة، وشوارع تعاني الإهمال، ونفايات تتكرر مشكلتها، وحدائق غائبة، وملاعب لا تكفي، وبنى تحتية تنتظر المعالجة.
ولا يعني ذلك أن الفقر أو البطالة أو الطلاق أو ضعف الخدمات تقود حتماً إلى التطرف؛ فهذا استنتاج غير صحيح. لكن تراكم الأزمات، مع ضعف الروابط الاجتماعية وغياب قنوات الاستجابة والشعور بالتهميش، قد يزيد هشاشة بعض الأفراد والمجتمعات أمام الاستغلال والتجنيد والتضليل.
وهنا تكمن المشكلة التي تستحق انتباهنا: أن يعيش المواطن في حيّه وهو يشعر بأن لا أحد يسمعه، ولا أحد يتابع شكواه، ولا أحد يشرح له لماذا تأخر الحل، ولا جهة تجمع المشكلات المتناثرة وتضعها أمام المسؤولين ضمن أولويات واضحة.
فحين يطلب الشاب ملعباً أو مساحة آمنة لنشاطه ولا يجد استجابة، وحين تتكرر مشكلة النظافة أو الإنارة أو تصريف مياه الأمطار دون معالجة، وحين تواجه الأسرة مشكلة ولا تعرف أين تتجه، وحين تتعثر فرص التدريب والعمل ولا توجد جهة محلية ترشد الشباب إلى البدائل المتاحة، فإن هذه القضايا، وإن بدت منفردة بسيطة، تستحق أن تجد من يجمعها ويحولها إلى ملف عمل ومتابعة.
الدولة لا تستطيع أن ترى كل تفصيل في كل حي من مكاتبها المركزية، مهما امتلكت من مؤسسات وكفاءات. لكنها تستطيع أن تبني منظومة محلية تجعل احتياجات الناس مرئية، وتجعل الاستجابة قابلة للقياس والمساءلة.
لجان الأحياء: من الوجاهة الاجتماعية إلى العمل المؤسسي
أقترح تعزيز وجود لجان الأحياء في المدن والقرى والبوادي والأرياف والمخيمات، على أن تقوم على أسس واضحة في التشكيل والانتخاب والتمثيل والمساءلة.
نريد لجاناً تستمد شرعيتها من المجتمع المحلي، لا من مجرد التعيين أو العلاقات الشخصية، وتضم أشخاصاً معروفين بالنزاهة والقدرة على العمل والتواصل، مع تمثيل حقيقي للشباب والنساء ومختلف الفئات الاجتماعية، ومراعاة طبيعة كل حي واحتياجاته.
ويجب أن تكون آليات الانتخاب شفافة ومعلنة، وأن تحدد مدد العضوية، وآليات التجديد والمساءلة، وتضارب المصالح، وطرق استقبال الشكاوى، ونشر نتائج العمل. كما ينبغي توفير التدريب اللازم لأعضائها في إدارة الحوار، وترتيب الأولويات، والتواصل مع المؤسسات، وحماية الخصوصية، والتعامل المسؤول مع القضايا الحساسة.
وليس المطلوب إنشاء وجاهة اجتماعية جديدة، ولا إيجاد طبقة من الوسطاء بين المواطن والدولة، بل تأسيس قناة مجتمعية منظمة تتيح للناس المشاركة في تحديد احتياجاتهم ومتابعة الحلول.
ولا ينبغي لهذه اللجان أن تحل محل البلديات أو المجالس المنتخبة أو المؤسسات الرسمية، وإنما أن تكمل دورها، وتساعدها على معرفة ما يجري في الأحياء بصورة أدق، وتوفر لها تغذية راجعة مستمرة من المواطنين.
مقترح عملي: قسم للارتباط المجتمعي في وزارة الداخلية
أقترح أن تدرس وزارة الداخلية تأسيس قسم متخصص للتواصل والارتباط المجتمعي، تتفرع عنه مكاتب ارتباط في المحافظات والمتصرفيات، وتعمل هذه المكاتب مع لجان الأحياء في المدن والقرى والبوادي والأرياف والمخيمات، وفق تنظيم يتناسب مع الكثافة السكانية وطبيعة المناطق والإمكانات المتاحة.
وتنسجم هذه الفكرة مع أهمية تعزيز الإدارة الميدانية، ومتابعة المشاريع التنموية في المحافظات، وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويمكن أن تتولى هذه المنظومة، بالتنسيق مع الجهات المختصة، المهام التالية:
أولاً: نقل احتياجات الأحياء إلى الجهات التنموية والخدمية.
تُجمع مطالب المواطنين وتُصنف حسب طبيعتها وأولويتها، ثم تُحال إلى الجهة المسؤولة، سواء كانت التربية والتعليم، أو الصحة، أو التنمية الاجتماعية، أو العمل، أو الأشغال العامة، أو البلديات، أو الجهات المسؤولة عن المياه والإنارة والنظافة والحدائق والمرافق العامة.
فإذا كانت المشكلة نقص مساحة لعب للأطفال، أو حاجة الشباب إلى ملعب كرة قدم، أو تراجع النظافة، أو سوء تصريف مياه الأمطار، أو حاجة مدرسة إلى معالجة مشكلة محددة، فلا تبقى الشكوى رهينة التداول بين الناس، بل تتحول إلى طلب موثق، له جهة مسؤولة ومدة متابعة ونتيجة معلنة.
ثانياً: التوعية الإيجابية وبناء الانتماء.
يمكن للجان الأحياء تنظيم لقاءات توعوية وأنشطة تطوعية وثقافية ورياضية، وتعزيز ثقافة احترام القانون، وحماية الممتلكات العامة، ونبذ العنف والكراهية والتكفير، واحترام التنوع الديني والاجتماعي، ومساعدة الأسر على الوصول إلى الخدمات المتاحة.
والأهم أن تكون هذه الأنشطة عملية وقريبة من حياة الناس، لا مجرد محاضرات موسمية. فالشاب الذي يشارك في مبادرة تطوعية أو مشروع إنتاجي أو نشاط رياضي، ويجد من يسمع أفكاره ويساعده على تطويرها، يصبح شريكاً في مجتمعه بدلاً من أن يبقى متلقياً سلبياً للخدمات.
ثالثاً: تعزيز الوقاية الأسرية والاجتماعية.
تعمل لجان الأحياء على التعريف بخدمات الإرشاد الأسري، والدعم الاجتماعي، والصحة النفسية، وحماية الأطفال، ومساندة النساء المعرضات للعنف، وإحالة الحالات التي تحتاج إلى تدخل متخصص إلى الجهات المعنية.
وهنا لا بد من التشديد على أن دور اللجنة ليس التجسس على الأسر أو التدخل في خصوصياتها، ولا تحويل المشكلات العائلية إلى أحاديث متداولة بين الناس. بل توفير طريق آمن ومحترم للوصول إلى المساعدة، مع حماية السرية واتباع الإجراءات القانونية والمهنية.
رابعاً: التنسيق مع الشرطة المجتمعية وشرطة الأسرة وشرطة السير.
يمكن بناء قنوات تواصل منتظمة بين لجان الأحياء والجهات الأمنية المختصة، كل في مجال عمله، لمناقشة مشكلات السلامة العامة والازدحام ومخاطر الطرق ومحيط المدارس، والتوعية بالجرائم الإلكترونية وأساليب الاستدراج والتجنيد المتطرف، والتعامل مع السلوكيات التي تهدد سلامة المجتمع.
كما يمكن عقد لقاءات دورية مع المجلس الأمني المختص، والمخاتير والوجهاء، وممثلي المؤسسات المحلية، لمناقشة القضايا العامة ضمن اختصاص كل جهة.
ويجب أن يكون هذا التعاون قائماً على الوقاية والتوعية والثقة وسيادة القانون، لا على مراقبة المواطنين بسبب آرائهم أو خلافاتهم أو ظروفهم الاجتماعية، ولا على إطلاق الاتهامات أو تصنيف الناس بالاشتباه. أما المعلومات المتعلقة بجرائم محتملة أو تهديدات محددة، فتُحال إلى الجهات الأمنية المختصة لتقييمها والتحقق منها وفق القانون.
خامساً: رصد التحديات التي تمس الشباب ومستقبلهم.
تحتاج كل منطقة إلى صورة واضحة عن احتياجات شبابها: فرص التدريب والتشغيل، والمشروعات الصغيرة، والأنشطة الرياضية والثقافية، والمرافق العامة، وإمكانية الوصول إلى خدمات الإرشاد والدعم.
ويمكن للجان أن تنقل هذه الاحتياجات إلى الجهات المعنية، وتساعد في التعريف بالبرامج المتاحة، وتفتح المجال أمام المبادرات التطوعية والإنتاجية، وتربط الشباب بمؤسسات التدريب والتشغيل وريادة الأعمال.
فليس من المعقول أن نتحدث عن تحصين الشباب فكرياً، ثم نترك بعضهم محاصرين بالفراغ والديون وانعدام الفرص وضعف المساحات العامة التي يستطيعون فيها ممارسة الرياضة أو تطوير مواهبهم. التحصين الفكري مهم، لكنه يصبح أكثر فاعلية حين يجد الشباب إلى جانبه أملاً عملياً ومستقبلاً يمكن العمل من أجله.
من الشكوى إلى الحل: نظام متابعة لا يترك القضايا معلقة
إن إنشاء مكاتب ارتباط، بحد ذاته، لا يكفي. فقد نضيف مكاتب وأسماء جديدة إلى الهيكل الإداري، ثم نكتشف بعد سنوات أنها لم تغير شيئاً في حياة الناس.
المطلوب نظام متابعة واضح يربط كل قضية بالجهة المختصة، ويحدد درجة أولويتها، والمدة المتوقعة لمعالجتها، وأسباب التأخير إن حدث، والنتيجة النهائية.
ويمكن إنشاء سجل إلكتروني للقضايا الخدمية والتنموية، مع إتاحة متابعة الطلبات للمواطنين، ونشر تقارير دورية عن القضايا المنجزة والمتعثرة، من دون نشر البيانات الشخصية أو المعلومات الأمنية الحساسة.
ويجب أن تتضمن التقارير مؤشرات تقيس النتائج الفعلية: سرعة الاستجابة، ونسبة القضايا التي عولجت، ومدى رضا المواطنين، وعدد المبادرات الشبابية التي نُفذت، والتحسن في النظافة والإنارة والمرافق العامة، ومدى وصول الأسر إلى الخدمات المتاحة.
أما الملفات الأمنية الحساسة، فتظل ضمن اختصاص الأجهزة المعنية، ولا تُدرج في سجلات عامة أو تتداولها اللجان خارج الأطر القانونية.
بهذه الآلية، يستطيع المسؤول أن يعرف أين تتكرر المشكلات، وأي الأحياء تحتاج إلى تدخل عاجل، وأين تتعثر المشاريع، وما إذا كانت المخصصات والبرامج تصل بالفعل إلى مستحقيها.
وهذا يتطلب تنسيقاً مؤسسياً بين وزارة الداخلية والبلديات ووزارات الخدمات والجهات الأمنية والتنموية، حتى لا تتحول لجان الأحياء إلى جهة تتلقى الشكاوى ثم تعيد إرسالها إلى مؤسسات لا تتواصل فيما بينها.
المخاتير والوجهاء والشباب والنساء.. شراكة لا إقصاء فيها
يمتلك المخاتير والوجهاء في كثير من المناطق معرفة واسعة بالعلاقات الاجتماعية واحتياجات الناس، ويمكن الاستفادة من خبراتهم في حل الخلافات المجتمعية بالطرق القانونية، وتعزيز التماسك والتعاون.
لكن تطوير لجان الأحياء يتطلب الجمع بين الخبرة الاجتماعية والتمثيل المجتمعي المنظم؛ فلا تُختزل اللجنة في شخص واحد أو مجموعة محدودة، ولا يُستبعد الشباب والنساء لأنهم أقل حضوراً في المجالس التقليدية.
نحتاج إلى لجنة تعرف كيف تستمع إلى كبار السن، وتفهم في الوقت نفسه ما يشغل الشباب، وتدرك احتياجات الأسر، وتفتح المجال أمام أصحاب المبادرات والاختصاصات العلمية والمهنية.
ونحتاج أيضاً إلى شراكة مع المدارس والمراكز الصحية والجمعيات والأندية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، بحيث تتحول المبادرات المحلية إلى أعمال قابلة للاستمرار، لا إلى حملات تنتهي بانتهاء المناسبة.
وقد شهد الأردن تجارب ومبادرات في دعم اللامركزية والحكم المحلي وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتطوير قنوات التواصل بين البلديات والمواطنين، وإشراك المجتمعات المحلية في تحديد المشكلات وإيجاد حلول عملية لها.
المطلوب اليوم البناء على الخبرات المتاحة وتوسيعها ضمن إطار مؤسسي أكثر وضوحاً، يربط المشاركة الشعبية بالتنمية والمتابعة والمساءلة.
هل يمكن أن تساعد لجان الأحياء في الوقاية من التطرف؟
نعم، يمكن أن تكون جزءاً مهماً من منظومة الوقاية، ولكن يجب أن نكون دقيقين في فهم دورها وحدود تأثيرها.
لا تستطيع لجنة حي أن تمنع كل جريمة، ولا يمكن افتراض أن كل شخص يعاني البطالة أو الفقر أو العزلة معرض للتطرف. كما أن دوافع التطرف العنيف متعددة، ولا يجوز اختزالها في الظروف الاقتصادية وحدها.
لكن المجتمع المحلي المتماسك يستطيع أن يوفر بيئة أفضل للحوار، وأن يفتح أمام الشباب مسارات للمشاركة والعمل، وأن يساعد الأسر على الوصول إلى الدعم، وأن يحد من العزلة الاجتماعية، وأن يعزز ثقافة الاختلاف واحترام الآخر.
وتستطيع اللجان، بالتعاون مع الجهات المختصة، المساهمة في التوعية بمخاطر خطاب الكراهية والتكفير، والتعريف بوسائل الإبلاغ عن التهديدات الحقيقية، ومواجهة الشائعات التي تستهدف النسيج الوطني، مع الحفاظ على الحقوق والحريات وعدم تحويل الاختلاف الفكري أو الديني أو السياسي إلى شبهة أمنية.
فالفكر المتطرف لا يُواجه بالإجراءات الأمنية وحدها، وإن كانت هذه الإجراءات ضرورية لحماية المجتمع ومحاسبة مرتكبي الجرائم؛ بل يحتاج أيضاً إلى تعليم نوعي، وخطاب ديني مسؤول، وأسرة متماسكة، وفرص اقتصادية، ومؤسسات محلية قادرة على بناء الثقة والانتماء.
وجريمة كنيسة حمود تذكرنا بأهمية حماية الأردنيين جميعاً، مسلمين ومسيحيين، وبأن الاعتداء على أي مواطن أو مكان عبادة هو اعتداء على أمن المجتمع وحق أبنائه في الحياة الآمنة. لكن واجبنا الوطني لا يقتصر على إدانة الجريمة، بل يشمل استخلاص الدروس الوقائية من دون استباق نتائج التحقيق أو تحميل المجتمع المحلي مسؤولية أفعال أفراد.
كيف نبدأ؟
أقترح البدء ببرنامج تجريبي في عدد من الأحياء والمناطق التي تتباين في طبيعتها السكانية والجغرافية، ليشمل مدينة كبيرة، وبلدة متوسطة، وقرية، ومنطقة من البادية، ومخيماً، وفق معايير معلنة واحتياجات موثقة.
ويجري تقييم التجربة بعد مدة محددة، من حيث جودة التمثيل، وسرعة الاستجابة للشكاوى، وفاعلية التنسيق بين المؤسسات، ومشاركة الشباب والنساء، ورضا المواطنين، وقدرة اللجان على تحويل الاحتياجات إلى حلول فعلية.
وبناء على النتائج، يمكن تعديل الآليات والتوسع تدريجياً، مع تحديد المسؤوليات والصلاحيات والموارد اللازمة، وتجنب ازدواجية الاختصاصات أو إنشاء هياكل إدارية لا تضيف قيمة حقيقية.
كما ينبغي أن تكون عضوية اللجان تطوعية أو منظمة وفق إطار معلن، وأن تخضع قواعد عملها للشفافية والمساءلة، وألا تتحول إلى أدوات للمحسوبية أو التنافس العشائري أو الحزبي أو إلى بوابة للحصول على المنافع الخاصة.
إن نجاح الفكرة لا يقاس بعدد اللجان التي نعلن عن تشكيلها، بل بعدد المشكلات التي نحلها، والشباب الذين نفتح أمامهم أبواب الأمل، والأسر التي نساعدها، والأحياء التي تتحسن فيها الحياة، والثقة التي تتعزز بين المواطن ومؤسسات الدولة.
خلاصة القول
نحن بحاجة إلى الانتقال من إدارة المشكلات بعد وقوعها إلى بناء منظومة محلية تساعد على اكتشافها مبكراً ومعالجتها قبل أن تتراكم.
نريد لجان أحياء منتخبة وفاعلة، ومكاتب ارتباط تتبع إطاراً مؤسسياً واضحاً في المحافظات والمتصرفيات، وقنوات اتصال منتظمة مع البلديات ووزارات الخدمات والشرطة المجتمعية وشرطة الأسرة والمجالس الأمنية، وشراكة حقيقية مع المخاتير والوجهاء والشباب والنساء.
نريد أحياء نظيفة وآمنة، وحدائق وملاعب ومساحات عامة، وفرص تدريب وتشغيل ومبادرات إنتاجية، وأسر تعرف أين تجد المساعدة، ومواطنين يشعرون بأن شكاواهم لا تضيع في الممرات الإدارية.
فحين يواجه الحي مشكلة، يجب أن يعرف من يتابعها. وحين تتعثر المعالجة، يجب أن يعرف المواطن السبب. وحين تظهر فرصة للتنمية، يجب أن يجد من يساعد على تحويلها إلى مشروع. وحين يحتاج الشباب إلى مساحة للمبادرة والعمل، ينبغي ألا يُتركوا وحدهم في مواجهة الإحباط والفراغ.
الدولة القوية ليست التي تمتلك مؤسسات قادرة على التدخل عند الخطر فقط، بل التي تمتلك أيضاً مؤسسات قريبة من الناس، تسمعهم قبل أن يصرخوا، وتستجيب لمشكلاتهم قبل أن تتفاقم، وتمنحهم شعوراً حقيقياً بأنهم شركاء في حماية وطنهم وبناء مستقبلهم.
ومن هنا، فإن الاستثمار في لجان الأحياء ليس ترفاً إدارياً ولا مجرد تحسين للخدمات؛ إنه استثمار في الإنسان، وفي الثقة، وفي التماسك الاجتماعي، وفي قدرة المجتمع الأردني على حماية نفسه من التطرف والكراهية والانقسام.
فلنبدأ من الحي؛ فهناك يعيش الناس، وهناك تتشكل آمالهم، وهناك يمكن أن نضع أساساً أكثر رسوخاً للتنمية والأمن والاستقرار.

