من خطاب العرش إلى برنامج عمل: ما المطلوب من رئيس الحكومة؟

6 د للقراءة
6 د للقراءة
من خطاب العرش إلى برنامج عمل: ما المطلوب من رئيس الحكومة؟

صراحة نيوز – كتب: د.مهندس عبد الفتاح طوقان

لم يترك خطاب العرش للحكومة و رئيسها مساحة كبيرة للتأويل: المطلوب ليس إعلان نوايا جديدة، ولا دفتر تدوين ملاحظات بل تحويل التوجيهات إلى “إنجاز ملموس، ومساءلة واضحة، ونتائج يلمسها الأردنيون”.

وقد دعا الملك عبد الله الثاني ، حفظه الله ، إلى تسريع المشاريع الكبرى، ووضع أمن المياه في مقدمة الأولويات، وشدّد على أن الوظيفة العامة خدمة، وأن القانون يعلو على المنصب والنفوذ.

على رئيس الوزراء أن يتحرك ويبدأ بتكليف كل وزارة معنية بخطة تنفيذ محددة، لا تكتفي بالعناوين: ما المشروع؟ ما مراحله؟ ما موعد إنجاز كل مرحلة؟ وما الجهة المسؤولة؟ ماهي المعيقات ؟ ما هي الحلول المقترحة والبديلة ؟ ما هي المسارات السريعة لادارة المشاريع fast tracks ؟ ماهي خطط الطواريء contingency plans ؟ ، ما هي خطط الدمج ؟ وغيرها ومن ثم تُنشر مؤشرات متابعة دورية، ويُعلن بوضوح عن التأخير وأسبابه والإجراء المتخذ لمعالجته.

فالتسريع لا يعني تجاوز الرقابة أو التعاقد السليم؛ بل إزالة التعطيل الإداري، وحسم تضارب الصلاحيات، ومحاسبة من يتسبب بالتأخير دون مبرر.

وفي ملف المياه، لا يكفي تكرار أن الأمن المائي أولوية، والتغاضي عن الإغلاقات المالية للمشاريع المائية تحتاج محاسبة ؟ فالمطلوب من الحكومة خطة عملية لكل المشاريع وتشمل مشاريع زيادة التزويد، وخفض الفاقد، وصيانة الشبكات، وحماية المصادر، والاستعداد المبكر لمواسم الشح والطوارئ.

وعلى وزارة المياه والري والجهات المعنية أن تعرض للرأي العام ما أُنجز وما تعثر، من تم الاستغناء عنهم ولماذا وما هي الكفاءات البديله التى عيّنت وخبراتهم وماذا قدموا او يستطيعوا التقديم ؟ وما الذي سيصل إلى المواطنين ومتى؟ فالأمن المائي يُقاس باستمرارية الخدمة وعدالتها وكفاءة إدارة الموارد، لا بعدد الاجتماعات والوعود.

أما المشاريع الكبرى، ومنها السكك الحديدية ومحطة التحلية في العقبة كمثال فعلى الحكومة أن توضح مراحل تنفيذها، ومصادر تمويلها، والدفعات اللازمة والمطلوبة و طرق السداد و التشييد و الشفافية في اختيار المقاوليين وأثرها المتوقع في فرص العمل والنمو والخدمات.

والتنسيق هنا مسؤولية رئيس الوزراء وبمساعده طاقم رئاسة الوزراء بالدرجة الاولى ، حيث يجب ان يكون رئيس الوزراء قائد لا تابع ، مبادر لا متلقي ، مرن لا عنيد ، متواضع لا متكبر ، مستمع جيد وموجه وبالتعاون مع الوزارات والجهات المختصة، حتى لا تتحول المشاريع إلى ملفات متفرقة تتقاذفها المؤسسات، أو إلى إعلانات تسبق الإنجاز بسنوات.

وعندما تحدث الملك عبد الله الثاني عن إساءة استخدام المنصب وهيبة الدولة وسيادة القانون، كان المعنى واضحًا: “لا ينبغي أن تحمي الوظيفة صاحبها من المساءلة” والتقصير الذي تشير إليه هذه الرسالة قد يظهر في تعطيل معاملات الناس، أو استغلال السلطة، أو التهرب من المسؤولية، أو عدم تطبيق القانون على الجميع بالمعيار نفسه او عدم استشراف الارهاب قبل حدوثة .

لكن الخطاب بأدبيات وأخلاقيات الملوك لم يسمّي أشخاصًا أو قضايا بعينها؛ لذلك اما على الحكومة ان ترحل او يتم تعديل باعفاء المسؤوليين عن ذلك التقصير ، لا يصح اعتبار خطاب الملك مجرد حديث عابر ، على رئيس الحكومة ان يضع يده على المقصرين و يفند لهم اتهامًا لكل وزيرا او مسؤولا لوزارة محددة على حده ويحدد كل واقعة بعينها ويعلنها بصراحة و شفافية للشعب تماشيا مع الرغبة الملكية

.واقصد المطلوب من رئيس الحكومة أن يفعل الرقابة والتحقيق والمحاسبة وفق القانون، مع إعلان النتائج ضمن ما تسمح به الإجراءات القانونية.

ويقتضي ذلك أن يضع رئيس الوزراء معايير واضحة لأداء الوزراء وكبار المسؤولين، وأن يتابع الشكاوى والقرارات الرقابية، وأن يتخذ إجراءات متناسبة حين يثبت التقصير أو إساءة استعمال الصلاحية.

فالهيبة لا تتحقق بالشدة على المواطن، بل بتطبيق القانون على الجميع، واولهم اعضاء مجلس الوزراء وكبار المسؤوليين ، وبأن يرى الناس أن المسؤول يُحاسب كما يُحاسب أي موظف أو مواطن.

وقد تسائل الكثيرون من كان يقصد الملك من الوزارات؟
ورغم ان الخطاب لا يذكر أسماء وزارات أو مسؤولين بعينهم. لكنه يحمّل الحكومة كلها برئيسها مسؤولية التنفيذ، مع مسؤولية مباشرة للوزارات المختصة بكل ملف واولها المياه والري في الأمن المائي، والوزارات والجهات المعنية بالتحديث الاقتصادي والمشاريع الكبرى في الإنجاز، والداخلية في احداث الكرك ، وكل جهة حكومية ورقابية معنية بتطبيق القانون ومحاسبة الموظف العام.

أما تحديد المقصرين، فلا يكون بالتخمين؛ بل بنتائج متابعة موثقة من خلال لجنة حيادية مستقلة تدرس و توثق و تحقق وإجراءات قانونية معلنة.

أن خطاب العرش هذا يختلف عن كل الخطابات السابقه وهي مرحلة جديده مهمة في تاريخ الأردن وينبغي أن يصبح ” برنامجًا حكوميًا قابلًا للقياس ” لا ملاحظات في دفتر تدوين وضمن مواعيد معلنة، مسؤوليات محددة، متابعة دورية، ومحاسبة عند ثبوت التقصير.

عندها فقط ينتقل الخطاب الملكي السامي من التوجيه إلى أثر يراه المواطن في الماء والداخلية والخدمات والفرص، وفي ثقته بأن القانون لا يستثني صاحب منصب.

نحن في دولة قوية ولسنا في بقاله صاحبها يحمل دفتر تدوين يسجل طلبات المواطنين ، دولة ذات مؤسسات كانت هي السباقة في العالم العربي و الشرق الأوسط في مجالات مختلفة في الثقافة و الإعلام و القوانين و الأنظمة و التشريعات تحت توجيهات هاشمية ملكية وباذن الله ستبقى تحت الراية وخلف القيادة ولن تتراجع .

قال الله تعالى :
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾
[ سورة التوبة: 105 ]، وهذا وقت العمل.

aftoukan@yahoo.com

شارك هذا المقال