الفساد كالفيروس يتكاثر حيث تضعف القوانين وتغفو الرقابة ويتأخر العقاب

3 د للقراءة
3 د للقراءة
الفساد كالفيروس يتكاثر حيث تضعف القوانين وتغفو الرقابة ويتأخر العقاب

صراحة نيوز – بقلم الكاتبة الصحفية نيفين العياصرة

أحياناً أجلس مع نفسي وأسألها.. ماذا لو أصبحتُ فاسدة يوماً ما؟ فساداً بسيطاً متواضعاً يناسب إمكاناتي الحالية، فأنا الآن مواطنة عادية، لا أملك صلاحية توقيع عقد بملايين ولا أستطيع منح عطاء ولا تعيين مستشار ولا حتى تشكيل لجنة لدراسة أسباب زيادة السرطان في وطني.

كل ما أستطيع فعله حالياً هو الوصول متأخرة إلى العمل عشر دقائق، ثم أقضي نصف ساعة أشرح لزميلاتي حجم أزمة السير التي تمنعني من الالتزام بالمواعيد.

أستطيع أن أطلب من صديق يعمل في دائرة أخرى أن يسرّع المعاملة قليلاً، ولن اعتبرها واسطة، كل مافي الأمر أكره الانتظار، والواسطة في عرفنا ليست فساداً إنما هي خدمة اجتماعية تقدم مع فنجان قهوة وكلمة.. اعتبر الموضوع منتهيا… يعني علاقات وخدمات.

أستطيع أن أستنكر الفساد بشدة على وسائل التواصل الاجتماعي، ثم أبحث في المساء عن قريب أو صديق أو جار يساعد ابني في الحصول على وظيفة قبل إعلان نتائج المنافسة.

وأستطيع أن أغضب غضباً شديداً من تعيين الأقارب والمعارف ثم أعتبر تعيين ابني حقاً مشروعاً لأنه شاب محترم ومجتهد ويستحق الفرصة.

وحين أسمع عن مسؤول استأجر عشرة مستشارين، أقول غاضباً: لماذا عشرة؟ كان يكفي واحد فقط، أما لو أصبحت مسؤولاً كبيراً ذات يوم فربما سأكتشف أن الوطن يحتاج فعلاً إلى مستشار لشؤون المستشارين، وخبير استراتيجي لمتابعة أعمال الخبراء، ولجنة دائمة لدراسة توصيات اللجنة المؤقتة التي درست تقرير اللجنة السابقة،

وسأقتنع بأن السفر ضرورة وطنية وأن الفنادق الفاخرة بيئة مناسبة للتفكير العميق وأن الاجتماعات الخارجية أكثر إنتاجية من الاجتماعات الداخلية،ة خاصة إذا كانت مطلة على البحر.

وربما سأكتشف أيضاً أن بعض المشاريع تحتاج إلى دراسات، والدراسات تحتاج إلى خبراء، والخبراء يحتاجون إلى موازنات، والموازنات تحتاج إلى قروض، والقروض تحتاج إلى أجيال لم تولد بعد لتسددها.

والغريب أننا جميعاً نعرف الفاسد جيداً… فهو دائماً ذلك الشخص الآخر، الموظف يرى الفساد في المدير،والمدير يراه في الوزير، والوزير يراه في الحكومة السابقة، والحكومة السابقة تراه في الظروف الدولية، أما الظروف الدولية فلا ترد على الاتهامات.

المشكلة أن الفساد يشبه الغبار؛ الجميع يراه على نوافذ الآخرين وقليلون فقط ينظرون إلى نوافذهم.

ولذلك فإن محاربة الفساد لا تبدأ تبدأ عندما يتوقف المواطن عن تبرير المخالفة الصغيرة، ويتوقف الموظف عن سرقة الوقت ويتوقف المسؤول عن اعتبار المنصب مكافأة شخصية، ويتوقف الجميع عن استخدام عبارة..
“هذه ليست فساداً… هذه مجرد شطارة.”

فمعظم الكوارث الكبرى بدأت يوماً بفكرة صغيرة جداً اسمها .. ما الذي سيحدث لو فعلتها مرة واحدة فقط؟
وعندما أفعلها سأعتاد الفساد بمسميات مختلفة وتبريرات عديدة، ساتسع حين تضعف القوانين وتغفو الرقابة ويتأخر العقاب.

شارك هذا المقال