صراحة نيوز- بقلم: نضال أنور المجالي
لم يعد الصمت مقاطعةً للمشهد، ولم يعد التغاضي عن الهبوط الفني الحالي نوعاً من “الترفع”، بل بات علامة استفهام كبرى، ومساءلة وطنية مشروعة تُطرح في وجه القائمين على صناعة الإبداع والدراما في وطننا، وعلى رأسهم نقابة الفنانين الأردنيين.
إلى متى ستبقى شاشتنا المحلية، وأعمالنا المنتجة، أسيرةً لقصص العشق والغرام المكررة، وحكايات البادية النمطية التي حُصرت في زوايا ضيقة، أو تلك الدراما الهابطة التي لا تفعل شيئاً سوى “لوي الفم” والتهريج المبتذل؟ أين نقابة الفنانين من نبض الشارع الأردني الحقيقي؟ وأين هي من تاريخ هذا الوطن المشرف الحافل بالدم، والبطولة، والكبرياء؟
كرم الأردن: جودٌ بالنفس قبل الرغيف
إن الأردن ليس مجرد مساحة جغرافية عابرة على خارطة الشرق، بل هو رسالة وعقيدة. هذا الحمى العربي الأصيل الذي عُرف عبر التاريخ بكرم أهله ونخوتهم؛ الكرم الأردني لم يقف يوماً عند حدود فتح البيوت وإقراء الضيف، بل تجلى في أسمى صوره وأطهرها: الجود بالأنفس والأرواح.
لقد جاد الأردنيون بكل ما يملكون لأجل أمتهم وقضاياها، وتقاسموا رغيف الخبز مع كل ملهوف، وسالت دماؤهم سخيةً كرمى لكرامة العرب. هذا الكرم الحاتمي الأصيل، الممزوج بعزة النفس والشهامة، هو الهوية الحقيقية للإنسان الأردني، وهو المادة الإنسانية والدرامية الغنية التي تنتظر من ينصفها ويقدمها للعالم بأبهى صورة، بدلاً من تشويه صورة الأردني واختزاله في قوالب درامية مشوهة أو “كوميديا” تعتمد على صراخ مفتعل ولوي للشفاه.
تعريب قيادة الجيش: قرار السيادة والكرامة العسكرية
كيف يغيب عن صناع الفن والدراما تفاصيل يوم تاريخي مجيد كيوم “تعريب قيادة الجيش العربي”؟ ذلك القرار الشجاع والجريء الذي اتخذه الملك الحسين بن طلال -طيب الله ثراه- بكل سيادة وقوة، ليعيد للضابط الأردني هيبته، وليُسلم قيادة الجيش لأبناء الوطن المخلصين.
هذا الحدث ليس مجرد بند في كتب التاريخ، بل هو ملحمة إرادة سياسية وعسكرية غيرت مجرى الأحداث في المنطقة. إن تفاصيل هذا القرار، وما رافقه من مشاعر العزة والأنفة لدى ضباطنا وجنودنا البواسل، هي قصة كرامة تستحق أن تُروى وتُجسد في أعمال درامية ملحمية تبث روح الاعتزاز والسيادة في نفوس الأجيال القادمة.
معركة الكرامة: يوم حطّمنا أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”
وإذا ما تتبعنا مسيرة الفخر، كيف لنقابة الفنانين أن تغفل عن سيرة “معركة الكرامة الخالدة”؟ تلك المعركة التي أعادت للأمة العربية جمعاء كرامتها وهيبتها في الحادي والعشرين من آذار. على تراب الغور الطهور، سطر جنود جيشنا المصطفوي بدمائهم وأجسادهم أروع ملاحم الصمود والتحدي، ودمروا آليات العدو وجعلوا من دباباتهم حطاماً، محطمين غطرسة أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”.
أين هي الأعمال التي توثق خطط القادة البواسل في الميدان؟ أين الروايات الفنية التي تنقل زئير المدافع الأردنية وبطولات الجنود الذين رفضوا التراجع واختاروا الشهادة فوق تراب الوطن؟ إنها قصص حية وتضحيات تفوق الخيال، وهي الأحق بأن تُعرض على الشاشات لتعرف الأجيال القادمة كيف يُصنع النصر بروح التضحية والفداء.
على أسوار القدس وساحات الحاضر: ملاحم لا تنتهي
وليس ببعيد عن الكرامة، تقف أسوار القدس وشواهد معارك باب الواد واللطرون شاهدة على عقيدة هذا الجيش الذي جاد رجاله بدمائهم دفاعاً عن مقدسات الأمة، لتتصل هذه التضحيات بفرسان الحاضر من شهداء الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة في حربهم الشرسة ضد قوى الإرهاب والظلام وعصابات تهريب المخدرات.
نودع في كل فترة شهيداً تلو الشهيد، رجالاً غادروا بيوتهم لحماية بيوتنا، وقدموا أرواحهم رخيصة على حدود الوطن وفي عمقه. هذه القصص الواقعية، المليئة بالدراما الإنسانية الصادقة، بالتضحية، بالوفاء، والبطولة، هي المادة الخصبة التي يجب أن تتسابق النقابة وصناع الفن لتخليدها.
إن تخليد الشهيد وبطولته، وإبراز كرم الأردني ونخوته في معارك الوطن الكبرى، لا يكون فقط برثائه في البيانات الرسمية، بل بإنصاف تاريخه في الذاكرة الجمعية من خلال فنٍّ هادف ومسؤول.
مللنا السطحية.. ونطالب بإنقاذ الهوية الفنية
لقد سئم المشاهد الأردني والعربي من هذا الهروب المستمر نحو السطحية. مللنا من استهلاك طاقات فنانينا ومخرجينا في أعمال تُغيب وعي الشباب، وتختزل مجتمعنا في قصص حب مبتذلة أو كوميديا مشوهة تعتمد على “لوي الثم” وحركات لا تليق بإرثنا الثقافي والاجتماعي.
الأجيال القادمة بحاجة إلى معرفة تاريخها الحقيقي؛ بحاجة إلى قدوات من أبطال الخنادق والأسوار، لا إلى تفاهات تسطح وعيها. الفن رسالة وسلاح، وفي غياب الدراما الوطنية الهادفة، نترك الساحة مفتوحة لثقافات أخرى تشوه عقول أبنائنا وتجحد تضحياتنا. إن نقابة الفنانين الأردنيين مطالبة اليوم بوقفة مراجعة جادة وصارمة مع الذات، وعليها أن تقود حركة الإنتاج وتضع استراتيجيات واضحة تدعم النصوص التي تتناول أصالة الإنسان الأردني، وأبطال الوطن ومعاركه الحقيقية.
يا نقابة الفنانين.. إن قرار تعريب قيادة الجيش، ودماء شهدائنا في معركة الكرامة وعلى أسوار القدس، وتضحيات جنودنا في مكافحة الإرهاب والمخدرات، كلها أمانة وطنية وتاريخية تنادي ضمائركم الفنية. كفانا استسهالاً، وكفانا هبوطاً بالذائقة. أعيدوا للفن الأردني هيبته ووقاره، واجعلوا من شاشاتنا مرآةً لرجولة هذا الوطن، ونخوته، وكبريائه؛ فالأردن ولّاد بالأبطال وأهل الجود، والتاريخ لن يرحم من يملك أدوات التغيير ويختار البقاء في خندق “العشق والغرام”.
حفظ الله الاردن والهاشمين
“خارج سياق الوطن: متى تخلع نقابة الفنانين ثوب ’الغرام‘ وتلتفت لبطولات الأسوار وكرم الخنادق؟”

