الحكومة أمام اختبار الملفات الكبرى… والوقت لم يعد في صالح أحد

9 د للقراءة
9 د للقراءة
الحكومة أمام اختبار الملفات الكبرى... والوقت لم يعد في صالح أحد

صراحة نيوز- كتب أ.د. محمد الفرجات

منذ تشكيلها، تواجه الحكومة الأردنية سلسلة من الملفات الثقيلة والمتشابكة، إلا أن المرحلة الحالية تبدو الأكثر حساسية، ليس فقط بسبب تعقيدات المشهد الإقليمي، وإنما أيضاً بسبب الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن الأردني، الذي ينتظر نتائج ملموسة أكثر من انتظاره للتصريحات والوعود.
فالحكومات لا تُقاس بعدد اجتماعاتها ولا بحجم خططها الورقية، وإنما بقدرتها على معالجة الملفات الأكثر إلحاحاً، واستعادة ثقة المواطن الذي أصبح يقيس الأداء بما ينعكس على حياته اليومية.

أولى هذه الملفات يتمثل في إعادة ترتيب البيت الحكومي بعد استقالة وزير العمل، وما رافقها من أسباب معلنة وأخرى بقيت محل تداول في الشارع، إلى جانب ما أثير من إشاعات طالت عدداً من الوزراء. ورغم أن الاستقالة بحد ذاتها قد تكون جزءاً طبيعياً من العمل العام، إلا أن طريقة إدارة هذا الملف ستكون مؤثرة في مستوى الثقة بالحكومة.
فالرأي العام يتطلع إلى أعلى درجات الشفافية، وإلى رسالة واضحة تؤكد أن المساءلة والحوكمة ليستا شعارات، بل ممارسات فعلية تطبق على الجميع دون استثناء.
فالمواطن الذي يعاني الفقر والبطالة وارتفاع كلف المعيشة لا يريد فقط تغيير الأسماء، بل يريد أن يرى أداءً حكومياً أكثر كفاءة، وقرارات أكثر جرأة، ومؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لتحدياته اليومية،
ويريد المواطن أيضا أن يشعر أن هنالك من يهتم لأمره ويعمل للتخفيف من معاناته، وليس أي شيء يخالف ذلك (دون تفاصيل).

وفي المقابل، يقف الأردن أمام أخطر تحدٍ استراتيجي يتمثل في أزمة المياه.
فالشح المائي لم يعد احتمالاً مستقبلياً، بل واقعاً يعيشه المواطن في مختلف المحافظات. ومن هنا تأتي أهمية مشروع الناقل الوطني للمياه باعتباره مشروع أمن وطني قبل أن يكون مشروعاً خدمياً، إذ سيؤمن نحو 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنوياً.

غير أن نجاح هذا المشروع لن يتحقق بمجرد الإعلان عنه، بل يحتاج إلى جهود استثنائية تجمع بين الكفاءة الفنية، والقدرة التمويلية، والسرعة في الإنجاز، والحوكمة الرشيدة، حتى يرى المواطن نتائج حقيقية على أرض الواقع… ونؤكد هنا على جهود القائمين على هذا الملف المصيري.

أما السياحة، التي تمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، فقد تلقت ضربة قاسية بفعل الحروب والتوترات الإقليمية.
ورغم أن الأردن بقي واحة استقرار مقارنة بمحيطه، فإن الصورة الذهنية لدى كثير من الأسواق السياحية العالمية لم تميز بين مناطق الصراع والمنطقة بأكملها، فتراجعت أعداد الزوار، وتضررت الفنادق والمطاعم وشركات النقل والأدلاء السياحيون والحرفيون.

وهذه ليست أزمة قطاع واحد، بل أزمة تمس مورداً اقتصادياً كان يسهم بنحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي ويوفر عشرات آلاف فرص العمل ويضخ العملات الأجنبية في الاقتصاد الوطني.

ولذلك فإن استعادة النشاط السياحي ينبغي أن تكون أولوية وطنية، عبر حملات ترويج احترافية، وتوسيع شبكة الطيران، وتقديم حوافز مدروسة تعيد الأردن إلى خارطة السياحة العالمية.

وفي ملف الطاقة، لم تعد القضية تقتصر على توفير الكهرباء، بل أصبحت مرتبطة بالأمن الوطني وبقدرة الدولة على مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية.
وما شهدته المنطقة من توترات أثرت في حركة الملاحة البحرية وسلاسل التوريد يفرض على الأردن مواصلة تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الاعتماد على الطاقة المتجددة، ورفع كفاءة الشبكات الكهربائية، والاستعداد لأي متغيرات قد تفرض واقعاً جديداً في المنطقة.

كما أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة تفتح الباب أمام مشاريع إقليمية كبرى في مجالات النقل والطاقة واللوجستيات وسلاسل التوريد. وقد أظهرت أزمة مضيق هرمز مدى أهمية وجود بدائل استراتيجية لحركة التجارة والطاقة.
والتجارب أثبتت أن الدول التي تستعد مبكراً هي التي تحصد المكاسب، ومن هنا فإن المطلوب هو رؤية وطنية استباقية تضع الأردن في موقع الشريك الفاعل، لا المتلقي لنتائج ما يقرره الآخرون.

سياسياً، تبدو المرحلة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالتطورات التي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الأخيرة، من استمرار الحرب في غزة، إلى المتغيرات في سوريا، مروراً بالتوترات بين إيران والولايات المتحدة، تفرض على الأردن إدارة دقيقة ومتوازنة لسياساته، تحافظ على أمنه الوطني ومصالحه العليا، وتتعامل بمرونة مع مشهد إقليمي سريع التغير.

ويأتي ملف الضفة الغربية ليضيف تحدياً آخر، في ظل استمرار التضييق الإسرائيلي على الفلسطينيين، وما يرافقه من قيود على الحركة والعمل والاقتصاد، بما يزيد من معاناة أبناء الضفة الغربية، ويفرض واقعاً معقداً قد تكون له انعكاسات مباشرة على الأردن سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وهو ما يستدعي يقظة دائمة واستعداداً لمختلف السيناريوهات.

لكن، مهما بلغت أهمية الملفات السياسية والإقليمية، يبقى المواطن منشغلاً قبل كل شيء بملفات الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار.
فهذه هي القضايا التي تحدد مستوى الرضا الشعبي، وهي التي تشكل الاختبار الحقيقي لأي حكومة. ولن تكون المعالجات التقليدية كافية، ما لم تقترن بسياسات اقتصادية تركز على الإنتاج، وتشجع الاستثمار، وتدعم الصناعة والزراعة، وتولد فرص عمل حقيقية، خاصة للشباب.

ولا يقل أهمية عن ذلك ملف الزراعة والأمن الغذائي، الذي لم يعد قطاعاً إنتاجياً فحسب، بل أصبح ركناً أساسياً من أركان الأمن الوطني في ظل الاضطرابات الإقليمية وتغير المناخ وتقلبات الأسواق العالمية. فقد أثبتت الأزمات المتلاحقة أن الدول التي لا تمتلك قدرة معقولة على إنتاج غذائها تصبح أكثر عرضة للمخاطر عند تعطل سلاسل الإمداد أو ارتفاع الأسعار العالمية.

ومن هنا، فإن المطلوب هو إعادة الاعتبار للقطاع الزراعي عبر الاستثمار في التقنيات الحديثة، والتوسع في الزراعة الذكية، وتحسين إدارة الموارد المائية، ودعم المزارعين، وتعزيز الصناعات الغذائية، بما يرفع مستوى الاكتفاء الذاتي ويقلل الاعتماد على الاستيراد، خاصة في السلع الاستراتيجية.

ولا يمكن إغفال ملف التغير المناخي، الذي أصبح عاملاً مؤثراً في الأمن المائي والغذائي والاقتصادي، ويتطلب خططاً وطنية للتكيف، وتوسيع الاستثمار في الاقتصاد الأخضر، وحماية الموارد الطبيعية، وتعزيز قدرة البنية التحتية على مواجهة الظواهر المناخية المتطرفة.

هناك أيضاً ملف لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه، رغم أنه قد يصبح أحد أكبر التحديات التنموية خلال السنوات المقبلة، وهو الهجرة المناخية الداخلية. فالتغير المناخي، وما يرافقه من تراجع الهطل المطري، واستنزاف المياه الجوفية، وازدياد موجات الجفاف والتصحر، بدأ يضعف قدرة كثير من المناطق الريفية والبادية والأغوار على الاستمرار في النشاط الزراعي والرعوي،
الأمر الذي قد يدفع أعداداً متزايدة من السكان إلى الهجرة نحو المدن بحثاً عن مصادر رزق وخدمات أفضل.
وهذه الهجرة، إن لم تُدار بسياسات تنموية استباقية، ستزيد الضغط على البنية التحتية، والإسكان، والتعليم، والصحة، وسوق العمل، وقد تُفاقم معدلات الفقر والبطالة في المراكز الحضرية، في الوقت الذي تفرغ فيه المناطق الريفية من سكانها ومن طاقاتها الإنتاجية.

لذلك، فإن الحد من الهجرة المناخية لا يكون فقط بمعالجة آثارها، بل بالاستثمار في تنمية الريف والبادية والأغوار، وتحسين إدارة المياه، ودعم الزراعة الذكية، وخلق فرص عمل محلية تُمكّن المواطنين من البقاء والإنتاج في مناطقهم.

أما المديونية العامة، فهي ليست مجرد أرقام في التقارير المالية، بل تحدٍ يؤثر في قدرة الدولة على تمويل مشاريع التنمية وتحسين الخدمات. ولذلك فإن معالجة الدين العام لا تكون فقط عبر ضبط الإنفاق، وإنما من خلال تحقيق نمو اقتصادي مستدام، وزيادة الإنتاج والصادرات، وجذب الاستثمارات النوعية، وتوسيع القاعدة الضريبية من خلال النمو الاقتصادي لا زيادة الأعباء على المواطنين، بما يخفف تدريجياً من نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي،،، كما ونذكر بملف مبادلة الديون بمشاريع الاقتصاد الاخضر لصالح الدول الدائنة، وقد كتبنا بذلك وبالتفصيل وكثيرا ونوهنا لأهميته.

إن الحكومة تقف اليوم أمام اختبار حقيقي. فالمرحلة لا تحتمل إدارة ردود الأفعال، بل تحتاج إلى قيادة زمام الأمور برؤية واضحة، وأن تعمل وفق أولويات محددة، وأن تتواصل مع المواطنين بشفافية، وتنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص.

فالوقت لم يعد في صالح أحد، والتحديات كبيرة، لكن الأردن أثبت عبر تاريخه أنه قادر على تجاوز أصعب الظروف عندما تتكامل الإرادة السياسية مع الكفاءة الإدارية، ويصبح المواطن شريكاً في مسيرة الإصلاح والتنمية، لا مجرد متلقٍ لنتائجها.

ولعل الفرصة ما زالت متاحة أمام الحكومة لتحويل هذه الملفات من أعباء متراكمة إلى مشاريع وطنية للإنجاز. فالأردن يمتلك قيادة سياسية مستقرة، ومؤسسات راسخة، وكفاءات بشرية مشهوداً لها، وموقعاً جغرافياً يمنحه فرصاً استراتيجية كبيرة.

غير أن النجاح يتطلب سرعة في اتخاذ القرار، وكفاءة في التنفيذ، وشفافية في المصارحة، والأهم من ذلك، امتلاك رؤية اقتصادية وتنموية متكاملة تضع الإنسان الأردني في قلب عملية الإصلاح، لأن قوة الدولة تبدأ من قوة مجتمعها، واستقرارها يبدأ من شعور مواطنيها بأن المستقبل يحمل لهم أملاً حقيقياً لا مجرد وعود.

ولا نريد الخوض في أهمية إكمال العمل على ملف الاصلاح السياسي وإستحقاقاته بالتحول للحكومات الحزبية البرلمانية، وأهمية متابعة مخرجات التحديث الاقتصادي والإداري.

شارك هذا المقال