صراحة نيوز- د. ضحى مقبل الحجاج
منذ أن بدأ بنشر ما يقول إنها ملفات تتعلق بالفساد، انشغل كثيرون بمحاولة معرفة هويته، وتحليل شخصيته، وربطها بأسماء ومناصب وجهات مختلفة. لكن، وبصراحة، هل هذا هو السؤال الأهم؟
وبعيدًا عن الجدل حول شخصه، أو عن الشبهات والأسئلة المتعلقة بكيفية وصوله إلى هذه الملفات، فإن القضية الجوهرية تبقى في محتوى ما يُنشر. فإذا كانت المعلومات غير صحيحة، فمن حق الجميع أن تُفنَّد بالأدلة وأن يُحاسب من نشرها وفق القانون. أما إذا كانت صحيحة، أو كان جزء منها يستند إلى وقائع حقيقية، فإن الواجب يقتضي التعامل معها بجدية وشفافية، وإخضاعها للتحقيق من الجهات المختصة، لأن الفساد لا يُواجه بالصمت، ولا بالشائعات، وإنما بالمؤسسات والقانون.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا الآن؟
هل جاء هذا التوقيت نتيجة امتلاك معلومات لم يكن بالإمكان نشرها سابقًا؟ أم أن هناك متغيرات دفعت إلى إخراج هذه الملفات إلى العلن؟ أم أن وراء المشهد أبعادًا أخرى لا تزال غير واضحة؟ هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها لا تكون بالتخمين أو إطلاق الأحكام، بل بانتظار ما ستكشفه الأيام والوقائع.
وفي المقابل، من المهم ألا يتحول اهتمام الرأي العام إلى مطاردة الأشخاص، بينما تضيع القضية الأساسية. فليس المطلوب أن نُدين أو نُبرئ أحدًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وليس من الحكمة أن نبني قناعاتنا على منشورات فقط، مهما بدت مقنعة. فالإدانة تحتاج إلى أدلة، والبراءة أيضًا لا تُمنح لمجرد النفي.
إن قوة أي دولة تُقاس بقدرتها على التعامل مع مثل هذه الملفات بثقة وشفافية، بحيث يشعر المواطن أن كل ادعاء يُؤخذ على محمل الجد، وكل مسؤول يخضع للمساءلة إذا ثبت تجاوزه، وفي المقابل تُحمى سمعة الأبرياء إذا ثبتت براءتهم.
لسنا بحاجة إلى صناعة أبطال أو شياطين، ولسنا بحاجة إلى الانجرار وراء الانفعال أو الاصطفاف الأعمى. ما نحتاجه هو الحقيقة، مهما كانت، والعدالة، مهما كان صاحب القضية أو الطرف الذي تطاله.
ففي النهاية… الأشخاص يرحلون، والصفحات تُغلق، والضجة تخفت، لكن الحقيقة وحدها تبقى، وهي وحدها التي تستحق أن يبحث عنها الجميع، بعيدًا عن التهويل، وبعيدًا عن التبرئة المسبقة، وبعيدًا عن الانشغال بالأسماء أكثر من انشغالنا بما إذا كانت هذه الملفات ستقود إلى كشف حقائق، أم ستبقى مجرد حديث يتداوله الناس ثم ينسونه.

