الهروط يكتب : الجحود النخبوي

4 د للقراءة
4 د للقراءة
الهروط يكتب : الجحود النخبوي

صراحة نيوز – بقلم: د.فايز سليم الهروط

يبدو أن الجلوس الطويل في عتمة الهامش بعد عقود من بريق المناصب والوزارات، يُصيب بعض العقول بـدوار الذاكرة، فيبدأ صاحبها بالبحث عن أيمفرقعة صوتيةتعيده إلى الضوء، حتى لو كانت تلك المفرقعة هي البصق في البئر التي شرب منها طويلاً حتى ارتوى، بل وتضلع!

آخر تقليعات العبقرية الاقتصادية المتقاعدة للدكتور جواد العناني،هي تذكرنصائح الأمومةفجأة، والالتفات إلى خريطة الوطن ليرى فيها مجردخربشة تشبه المسدسأريد لها أن تكون دولة فصل وظيفية، متناسياً أن هذاالمسدسالجغرافي هو نفسه الذي حماه،وحمل كينونته، وصنع منه رقماً، وبنى له مجداً ووجاهة لولاها لكان اليوم مجرد عابر سبيل ممزق بين أزمنة اللجوء وأمكنة الشتات.

يتباكى معالي المفكر في صالوناته المتأخرة على سحر فلسطين وجاذبيتها التي تركتها عائلته، معيراً الأردن بأن ناسه كانوا يوماً (إبان بدايات التأسيس) يقضون حاجتهم فيحمامات خارج البيوتكناية عن البؤس وعدم التمدن! ونحن هنا لا نناقش جغرافيا الجمال الإلهي،ففلسطين في سويداء قلوب الأردنيين قبل غيرهم، لكننا نناقش خطيئةالجحود النخبوي“.

يتناسى سعادة الدكتور، المستغرق في عقدة تفوق متخيلة و ال(انا) المتورمة ، أن أصحاب تلك البيوت الأردنية البسيطة ذاتالحمامات الخارجيةالذين استهزأ ببؤسهم، هم أنفسهم الفلاحون والبدو والبسطاء الذين تركوا حقولهم ومواشيهم، وساروا ببنادقهم المتواضعة ليموتوا مقبلين غير مدبرين على أسوار القدس، وفي باحات المسجد الأقصى، وتلال اللطرون وباب الواد.

بينما كان أولئك المرفّهون، منزوعو الانتماء، يفرون بامتيازاتهم وثرواتهم بحثاً عن الملاذات الآمنة والصالونات السياسية الدافئة ليمارسوا فيهاالتنظير والخرف ، كان الجندي الأردني البسيط يروي بدمه الزكي تراب فلسطين. إن تلك البيوت الطاهرة نفسها هي التي اقتطعت من قوت أطفالها لتُعلمه وتُعلم أمثاله، وهي التي رحبت به دون سؤال عن أصل أو فصل، وهي التي مهدت له الطريق ليتنقل بين أرقى جامعات الغرب، ليعود ويجلس على أفخم المقاعد الوثيرة في وزارات الدولة .

المفارقة المضحكة المبكية، أن من يعيّر الناس بـعدم التمدنفي بدايات التأسيس، يعيش اليوم بؤساً حضارياً وأخلاقياً من نوع آخر؛ بؤس العقل الباطن المملوء بحقد غير مبرر، وعقدة نقص تجعله يرى في ماضي الكفاح الأردني عيباً، وفي جحوده الذاتي ذكاءً ونبوغاً!

يخرج علينا المنظر ليصف الأردن بأنهدولة فصلأرادها الاستعمار. ويا للمصادفة التاريخية! إن كانت دولة وظيفية استعمارية كما يزعم اليوم، فكيف قبلتَ على تاريخكالناصعووعيكالرفيعأن تكون شريكاً في قيادتها لثلاثة عقود؟ كيف قبلتَ أن تكون وزيراً لخارجيتها،وصناعتها، وتجارتها، ومستشاراً في أروقتها السيادية؟

الحقيقة التي تهرب منها مرآة الدكتور، هي أن الأردن أثبت بنبل قيادته وعمق شعبه أنه تجاوز كل المخططات الوظيفية؛ فلم يفرّق يوماً بين عربي وعربي، وأعطى القيادة والصدارة لمن استحق ولمن لم يستحق بناءً على المواطنة الكاملة والعروبة الصادقة. لكن يبدو أن العروبة والانتماء عند البعض تنتهي صلاحيتهما بمجرد الخروج من التشكيل الوزاري وغياب بريقاللقب“!

إن الأردن الذي بناه أهله بشظف العيش، وبعرق الجبين، وبدم الشهداء الأبرار، لا تزيده هذه التهكمات إلا رسوخاً. فالأوطان الحقيقية بيئة نقية  تلفظ في النهاية كل خبث و خبيث.

أما ذلك التهكم البائس، فلم يطلق رصاصة على جغرافيا الأردن الراسخة، بل أطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من رصيد سياسي وأخلاقي لوجه صاحبه. لقد أرادالدعيأن يسخر من الدولة التي رفعت شأنه، فإذا به يتحول إلى نموذج حي لـمتلازمة النكران،ليثبت بالوجه الشرعي أن بعض المناصب والشهادات تُمنح للناس بسهولة، لكنها تعجز تماماً عن منحهم نبل الفرسان وطهارة الوفاء.

شارك هذا المقال