صراحة نيوز – كتب: بشار عبدالمجيد المجالي
في فيديو يحمل صفة التهكم كان صاحب ذلك الفيديو يوصل فكرة مفهوم البسطة وال Booth. ففي البسطة، يفرش الرجل بضاعته على الرصيف، ويبيع زوج الجرابات بنصف دينار. مشروعه الصغير معرض في كل لحظة للمخالفة والمطاردة ومصادرة البضاعة، لأنه ــ وفق المنظومة الرسمية ــ «غير قانوني». أما الـ Booth، فله حكاية أخرى وفهم آخر ،فتلك مساحة صغيرة مستأجرة داخل مول، يبيع فيها الرجلفيهت زوج الجرابات نفسها، لكن بسعر أربعة دنانير للزوج. يا سلام! هنا لم تعد البضاعة بضاعة بسطة، بل أصبحت «منتجاً» يليق بالناس الراقية!
لكن الحكاية، في الحقيقة، ليست في البسطة ولا في الـBooth، وليست حتى في الجرابات. الحكاية في العقول التي تتعامل مع عقول أخرى وكأنها بسطة رخيصة، بينما تنصب لنفسها Booth فاخراً من المصطلحات والمظاهر والادعاء.
هناك من يبيع الكلام بنصف دينار، وهناك من يبيعه بأربعة دنانير، والفرق أن الأول يقف تحت الشمس وتحت مظلة القرار، أما الثاني فيجلس تحت الإضاءة المخفية ويضع بجانب اسمه مجموعة من الألقاب والمصطلحات التي تجعل البسيط يشعر أنه دخل امتحاناً لم يدرس له.
المشكلة ليست في العلم، فالعلم قيمة، ولا في الاختصاص فذلك ضرورة، وإنما في أن يتحول العلم إلى وسيلة للاستعلاء، والفهم إلى أداة لإرباك الآخرين، والمنصب إلى منصة للتملق، حتى يصبح بعض الناس خبراء في معرفة انتاج النفط وعلوم الطاقة واتجاه الريح، فيديرون وجوههم معها أينما اتجهت.
والأغرب أن بعض الإدارات تقع في الخطأ نفسه. فتتعامل أحياناً مع صاحب الفكرة بحسب «شكل الـBooth» لا بحسب قيمة البضاعة؛ فتمنح المساحة لمن يجيد تقديم نفسه، وتلاحق من لا يملك سوى بسطة بسيطة وفكرة صادقة. وهنا يصبح التنظيم شكلاً بلا عدالة، والإدارة إجراءً بلا روح.
هذه رسالة لكل مسؤول وذي رتبة..صاحب فكر نير ومتواضع..وهم بفضل الله موجودون، حافظوا على قيمة العلم وقيمته بانتاجيته لا بقيمة من يتبناه، والى كل ذي رتبة صاحبه الغرور بعلم ادعاه، العلم يجني ثماره..والغرور يفتك بأصحابه.
الله سبحانه وتعالى أعطى كل نفس قدرها، ورزق كل إنسان نصيبه، فلا حاجة لأن يرفع أحد نفسه فوق قدرها، ولا أن يقلل من قدر غيره. فليتصرف كل إنسان بما آتاه الله، وليعرف أن التواضع لا ينتقص من العلم، وأن الاحترام لا يحتاج إلى شهادة، وأن الكفاءة لا تحتاج إلى Booth فاخر.
وفي النهاية، قد يبيع صاحب البسطة زوج الجرابات بنصف دينار، لكنه ينام مرتاح الضمير. وقد يبيع صاحب الـBooth الزوج بأربعة دنانير، وهذا حقه أيضاً، لكن المشكلة تبدأ عندما يظن أن ارتفاع السعر دليل ارتفاع القيمة.
فليس كل ما يلمع في المول ذهباً، وليس كل ما يقف على الرصيف رخيصاً… وأحياناً تكون أغلى الأشياء بسطة، وأرخصها Booth.

