‏حين تصبح الخبرة الوطنية موضعًا للسخرية

6 د للقراءة
6 د للقراءة
‏حين تصبح الخبرة الوطنية موضعًا للسخرية

صراحة نيوز- بقلم الدكتوره دلال اللواما/ أستاذة العلوم السياسيه

‏ما أحزنني في الآونة الأخيرة ليس فقط الجدل الذي رافق تعيين بعض الشخصيات السياسية والوطنية السابقة في مواقع أكاديمية، وإنما الطريقة التي تناول بها البعض هذه التعيينات عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ سخرية وتهكمًا واستخفافًا بأسماء وقامات كان لها حضورها في مسيرة الدولة الأردنية.
‏ولست هنا بصدد الدفاع عن قرار إداري، فلكل مواطن الحق في أن يختلف مع أي قرار، وأن يسأل عن معايير الاختيار، وأن يناقش جدوى التعيين وأثره على المؤسسة. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين النقد المسؤول وبين تحويل أسماء لها تاريخ طويل في العمل العام إلى مادة للسخرية والتنمر.
‏حين نتحدث عن شخصيات مثل عبد الرؤوف الروابدة وعمر الرزاز، وغيرهم فنحن لا نتحدث عن أسماء عابرة في المشهد الأردني، ولا عن أشخاص جاءوا من فراغ. نحن أمام تجارب سياسية وإدارية وأكاديمية، وأمام سنوات طويلة من العمل وخدمة الدولة، بما لها وما عليها، وبما حققته من نجاحات وما تعرضت له من نقد.
‏قد نختلف معهم، وقد نختلف مع بعض مواقفهم وقراراتهم، وهذا حق طبيعي في الحياة العامة، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يلغي احترام التجربة، ولا أن يجعلنا نتعامل مع العمر والخبرة وكأنهما عيبان ينبغي الاعتذار عنهما.
‏إن وجود هذه القامات في الجامعات لا يعني بالضرورة أنهم جاؤوا ليجلسوا خلف مكتب ويشغلوا منصبًا بروتوكوليًا. الجامعة ليست فقط مباني وقاعات ومحاضرات؛ الجامعة عقل الدولة ومختبر أفكارها، وهي بحاجة إلى الخبرة بقدر حاجتها إلى الشباب والطموح والتجديد.
‏هؤلاء عندما يدخلون إلى مواقع أكاديمية، فإنهم يحملون معهم عقودًا من التجربة والمعرفة والعلاقات والفهم العميق لمؤسسات الدولة والمجتمع. وقد تكون قيمة وجودهم الحقيقية فيما يستطيعون تقديمه من خلاصة تجربة، وما يمكن أن يضيفوه من أفكار ورؤى وتوجيهات للأجيال الجديدة.
‏ولو أتيح لنا أن نجلس مع أحد هذه الأسماء بعيدًا عن صخب وسائل التواصل الاجتماعي، وربما بعيدًا عن الصورة التي صنعتها التعليقات الساخرة، لوجدنا أمامنا قامات من الثقافة والعلم والمعرفة والتجربة، وأشخاصًا راكموا خلال سنوات طويلة رصيدًا من الأفكار والخبرات لا يمكن اختزاله في منشور ساخر أو تعليق عابر.
‏ثم إننا كثيرًا ما نتحدث عن ضرورة الاستفادة من خبرات كبار السن، وعن أهمية نقل المعرفة بين الأجيال، وعن عدم إقصاء أصحاب التجارب، ثم نفعل عكس ذلك عندما تتاح لنا فرصة الاستفادة من هذه الخبرات.
‏ليس المطلوب أن نقدّس الأشخاص، ولا أن نمنحهم حصانة من النقد. الوطن لا يحتاج إلى تقديس الأشخاص، لكنه يحتاج إلى احترام الإنسان وخبرته وتاريخه.
‏والأهم أن مثل هذه المواقع ليست تشريفًا بقدر ما هي تكليف. فمن يقبل مسؤولية جديدة في مرحلة عمرية كان يمكنه فيها أن يختار الراحة والابتعاد عن الأعباء العامة، إنما يضع نفسه مرة أخرى تحت ضغط المسؤولية، والنقد، والتوقعات، والعمل اليومي.
‏ومن هذه الزاوية تحديدًا، أجد نفسي أتساءل: لماذا لا ننظر إلى الأمر باعتباره فرصة للاستفادة من خبرات وطنية متراكمة، بدل أن نحوله إلى مناسبة للسخرية؟
‏نحن بحاجة إلى أن يتكامل جيل الخبرة مع جيل الشباب، لا أن يتصارعا. نحتاج إلى صاحب التجربة الذي يعرف دهاليز الإدارة والدولة، وإلى الشاب الذي يحمل طاقة جديدة وأفكارًا مختلفة. الجامعة تحديدًا يجب أن تكون المكان الذي يلتقي فيه الاثنان.
‏وقد يكون من حق الرأي العام أن يسأل: لماذا هذا الشخص؟ وما الإضافة التي سيقدمها؟ وما المعايير التي تم اعتمادها؟ وهل سينعكس وجوده على الجامعة والطلبة والبحث العلمي؟ هذه أسئلة مشروعة ومطلوبة.
‏لكن السؤال شيء، والإهانة شيء آخر.
‏لقد أصبحنا في زمن تستطيع فيه جملة ساخرة أن تنتشر في دقائق، بينما يحتاج تاريخ إنسان كامل إلى سنوات حتى يُبنى. ولذلك علينا أن ننتبه إلى خطورة أن تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى محكمة تصدر أحكامها على الأشخاص في لحظات، دون معرفة حقيقية بما قدموه أو بما يمكن أن يقدموه.
‏أنا حزينة لأن بعضًا من الخطابات التي رأيناها تجاه هذه الأسماء لم يكن نقدًا بقدر ما كان استهانة بقيمة التجربة الوطنية نفسها.
‏قد نختلف سياسيًا، وقد نختلف فكريًا، وقد نرفض قرارًا أو تعيينًا، لكن لا ينبغي أن ننسى أن احترام القامات الوطنية جزء من احترامنا لأنفسنا ولبلدنا.
‏فالأوطان التي تحترم خبراتها لا تعني أنها تعيش في الماضي، بل إنها تعرف كيف تأخذ من الماضي ما ينفعها للمستقبل.
‏ولعل الأجمل أن ننظر إلى هذه التعيينات من زاوية أخرى: ماذا يمكن أن يقدم هؤلاء للجامعة؟ وماذا يمكن أن يتعلم منهم الجيل الجديد؟
‏فربما تكون السنوات الطويلة التي أمضوها في العمل العام قد اختصرت عليهم الكثير من التجارب، والأخطاء، والنجاحات، والقرارات الصعبة، وهذه كلها دروس لا توجد في كتاب.
‏لهذا، بدل أن نسأل: لماذا ما زال هؤلاء في المشهد؟، ربما يجدر بنا أن نسأل: كيف يمكن أن نستفيد من خبراتهم قبل أن تذهب هذه الخبرات معهم؟
‏الاختلاف حق، والنقد حق، والمساءلة حق، لكن السخرية من العمر والتجربة والتاريخ ليست نقدًا.
‏وفي بلد مثل الأردن، الذي راكم عبر عقود أسماء وتجارب وطنية كثيرة، أعتقد أننا بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى ثقافة تقدّر الخبرة، وتحترم الاختلاف، وتفتح الباب أمام الأجيال الجديدة دون أن تغلقه في وجه الأجيال التي سبقتها.
‏فالوطن لا يبنى بجيل واحد، ولا بخبرة واحدة، ولا بفكرة واحدة.
‏الوطن يبنى حين تتصافح الخبرة مع الشباب، والتجربة مع الطموح، والتاريخ مع المستقبل.

شارك هذا المقال