صراحة نيوز- بقلم حسين النعيمات
عشرات الاجتماعات تُعقد هنا وهناك، تحت عناوين التآخي والألفة والمحبة والولاء والانتماء، ويجري فيها جمع الناس، وخاصة أبناء العشائر.
ولا أحد ضد التآخي، ولا ضد الألفة، ولا ضد المحبة بين أبناء الوطن، ولا ضد الولاء والانتماء للأردن وقيادته.
لكن علينا أن نقولها بوضوح:
هذه ليست شعارات جديدة، وليست حكراً على أحد.
التآخي والألفة والمحبة والولاء والانتماء هي قيم راسخة عند كل الأردنيين، وهي موجودة في وجدان أبناء هذا الوطن منذ تأسيس الدولة، ولا تحتاج إلى عشرات الاجتماعات حتى تُكتشف أو تُعلَّم للناس.
فالأردنيون، بمختلف مناطقهم وعشائرهم ومكوناتهم، يعرفون معنى المحبة والتآخي والانتماء، ولم يكونوا يوماً بحاجة إلى من يمنحهم شهادة في الوطنية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل نريد المحبة والألفة والتآخي؟
بالتأكيد نريدها.
السؤال هو:
ماذا بعد هذه الشعارات؟
أين الحديث عن الفساد والواسطة والمحسوبية؟
أين الحديث عن الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار؟
أين الحديث عن العدالة وتكافؤ الفرص في الوظائف والمواقع العليا؟
أين الحديث عن المديونية وتراجع الاقتصاد، وعن التعليم والصحة، وعن المواطن الذي أصبح يتحمل أعباءً متزايدة نتيجة سياسات الحكومات المتعاقبة؟
وأين الموقف الصريح من كل من يسيء إلى الأردن أو يتطاول عليه أو يشتمه، أياً كان أصله أو جنسيته؟
الوطنية لا تتجزأ، والولاء ليس شعاراً يُطلب من المواطن ترديده في كل اجتماع.
والسؤال الأهم:
هل أصبحت هذه الاجتماعات تنافس الاجتماعات واللقاءات التي يعقدها أركان الدولة ومؤسساتها الرسمية؟
فالدولة لها مؤسساتها، ولها قنواتها الرسمية، ولها من يمثلها ويتحدث باسمها. ولها وزراء واعيان ونواب
أما أن تعقد عشرات الاجتماعات والتجمعات، ويظهر وكأنها حالة شعبية أو عشائرية واسعة، فمن حق الناس أن تتساءل:
هل نحن أمام لقاءات اجتماعية عادية، أم أمام محاولة لصناعة حضور سياسي وشعبي موازٍ؟
العشائر الأردنية ليست بحاجة إلى من يزايد عليها في حب الأردن أو الولاء للقيادة.
هذه العشائر كانت وما زالت جزءاً أصيلاً من الدولة الأردنية، ووقفت معها في مختلف المراحل، وولاؤها ليس ورقة سياسية ولا وسيلة لصناعة الزعامات.
والأردني اليوم لا يحتاج إلى من يلقنه معاني الولاء والانتماء
الأردني يريد عدالة.
يريد فرصة عمل.
يريد محاربة الواسطة والمحسوبية.
يريد تكافؤ الفرص.
يريد قانوناً يطبق على الجميع.
ويريد أن يرى موقفاً واضحاً ممن يسيء إلى وطنه.
إذا كان الهدف من هذه الاجتماعات خدمة الوطن، فليكن الحديث عن مشكلات الوطن.
اجمعوا الناس لمحاربة الفساد.
اجمعوهم من أجل البطالة.
اجمعوهم من أجل الفقراء.
اجمعوهم للمطالبة بالعدالة وتكافؤ الفرص.
اجمعوهم من أجل إصلاح التعليم والصحة.
واجمعوهم للدفاع عن الأردن عندما يتعرض للإساءة.
أما أن نجتمع عشرات المرات تحت عناوين التآخي والمحبة والألفة والولاء والانتماء، وهي قيم يؤمن بها كل الأردنيين أصلاً، ثم لا نسمع موقفاً واضحاً من القضايا التي تؤرق المواطن، فمن حقنا أن نسأل:
ما الجديد الذي تقدمه هذه الاجتماعات؟
وهل الهدف فعلاً خدمة الناس، أم إعادة تقديم شخص غاب عن المشهد الرسمي ومحاولة لفت أنظار الدولة إليه؟
فالمناصب لا تُنتزع بالتجمعات، ولا تُفرض بكثرة الحضور، ولا تُصنع بالتصفيق.
المناصب تُستحق بالكفاءة والإنجاز والثقة.
والعشائر الأردنية أكبر من أن تكون أداة في صناعة نفوذ شخصي، وأكبر من أن تتحول إلى وسيلة للضغط أو لإيصال رسائل سياسية.
نحن لا نعارض الاجتماع، ولا الحوار، ولا التواصل بين أبناء الوطن.
لكننا نرفض المزايدة على الأردنيين في وطنيتهم، والمزايدة على العشائر في ولائها، وتحويل شعارات التآخي والمحبة والألفة والانتماء، وهي قيم تجمع الأردنيين جميعاً، إلى وسيلة لصناعة حضور شخصي أو سياسي.
الأردن أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من التجمعات.
ومن حقنا أن نسأل بصراحة ودون خوف أو مجاملة:
هل هذه الاجتماعات من أجل الأردن والمواطن… أم من أجل إعادة صناعة حضور سياسي لشخص بعينه؟
فالأردنيون يعرفون وطنهم، ويعرفون عشائرهم، ويعرفون معنى الولاء والانتماء… ولا يحتاجون إلى من يزايد عليهم في ذلك

