صراحة نيوز – عوض ضيف الله الملاحمة
حزيران هو شهر الصيف ، والصيف فصل الكيف ، والدفء ، والتواصل . أما صيف حزيران عام ١٩٦٧ ، كان غير . كانت هناك حرب ، وكان هناك هزيمة ، وكان هناك شهداء ، وكان هناك فَقْدْ . وكان هناك جروح ، بعضها يلتئم ويندمل ، وبعضها بقى مفتوحاً ليتعفن . وكان هناك خسارة ، وكان هناك وطناً إنشطر قلبه الى نصفين ، وبقيت ضفة ، وسُرِقت ضفة .
ومما زاد الألم ، وأدى لسواد الحزن ، وانتشار الكآبة ، أن الخسارة كانت عظيمة . ولأننا بدل ان نستعيد ما سُلِبَ عام ١٩٤٨ ، خسرنا خسارة أشنع ، وأفظع .
وأصبح حزيران أسوداً ، كئيباً ، حزيناً ، ثقيلاً ، رغم سطوع شمسه ، ولطافة جوه ، وعذوبة نسائمه .
أخطأ الزعيم العربي الذي أعشق / جمال عبدالناصر ( أبا خالد ) كما كُنيتي ، وخطأ الكبار يكون جسيماً وخطيراً بحجم مسؤولياتهم ، عندما أغلق مضائق تيران ، ولا أظنه لا يعرف ان إغلاقها هو بمثابة إعلان حرب على العدو الصهيوني البغيض ، الذي يتربص بنا الدوائر . وتصادف هذا القرار الخطير مع خديعة داخلية ، تمثلت في وثوقه بمن هم ليسوا أهلاً لها . ولم يعلم أبا خالد ان المحيطين به لم يرتقوا لما يتصف به من عروبة ، وإنتماء ، ووفاءٍ ، وعطاء ، وعزوف عن ملذات الحياة . فحلّت الكارثة بمصر العظيمة ، الشقيقة الكبرى ، التي هي أملنا الذي نتكيء عليه ، واعتمادنا ، ورجاؤنا المأمول .
وسقطت سيناء ، وإحتُلت الجولان ، وتمت السيطرة على الضفة الغربية ، وضاع ما
تمكن جيشنا العربي الأردني الباسل من العض عليه بالنواجذ والمحافظة عليه من سيطرة الإحتلال عام ١٩٤٨ . جيشنا العربي الأردني الذي كان سلاحه الفعال والأقوى والأشد ضراوة يتمثل في شجاعة افراده ، وحصافة وبسالة ضباطه الأشاوس .
ووقعت الفأس في الرأس ، وخسرنا أُذيناً وبُطيناً ، وما زلنا نحنّ الى إلتآم قلب الأردن الحبيب . والأمل يحدونا ان يرجع ذات يومٍ قلباً سليماً كاملاً صحيحاً .
فلسطين الحبيبة ، أرى انها أصبحت منسية — الى حدٍّ كبير — إلا من نضال إبنائها الأشاوس في الداخل ، ومن بعض شرفاء اوروبا وامريكا ، الذين ( اعتنقوا ) الدفاع عن القضية الفلسطينية كعقيدة ، بعد ان وصلتهم الحقيقة وانكشف زيف الصهاينة الذين كانوا يحقنوهم بسمٍ زعاف عبر وسائل الإعلام التقليدية التي يسيطرون عليها ويسيرونها كيفما شاءوا . انكشفت الحقيقة للمجتمعات الغربية بفضل وسائل التواصل الإجتماعي الفردية الحالية . حيث اتاحت لكل إنسان يحمل هاتفاً ذكياً ان يكون مراسلاً صحفياً ، واعلامياً ، ومصوراً ، ومخرجاً ، ومحطة بث بجهده الفردي وبمجرد الضغط على كبسة في هاتفه الذكي . إنصعق العالم من كم الزيف والتلفيق الذي كانت تمارسه الماكينة الإعلامية الصهيونية القذرة ، المزيفة ، الكاذبة ، المخادعة .
لطبيعة عملي في القطاع الخاص لما يزيد عن نصف قرن ، ولإحتكاكي مع العديد من جنسيات العالم المختلفة ومنهم الجنسيات الغربية ، كانوا في قمة الإنحياز للعدو عند محاورتهم . لكنني كنت واثقاً انه لو وصلتهم الحقيقة سيقلبون ظهر المِجنّ للصهيونية ، وسوف يشيحون بعقولهم ووجوههم عن الصهاينة ، وسيولونها شطر فلسطين ، وسيدافعون عنها بإصرار ، وها قد حصل .
فلسطين ، ما زالت تئن ، وتشتكي ، وجراحها غائرة ، عميقة . والفلسطينيون يُقتّلون ، ويسجنون ، ويغتصبون ، ويجوّعون ، ويعطّشون ، ويهجّرون ، ويرحّلون .
والعدو يصادر اراضيهم . ويقضمها قضماً ، وبعد ان يصادرها ، يحولها الى مستعمرات لصهاينة العالم الذين يجلبهم كما القطعان من كافة بقاع الأرض ، ويستوطنون فيها ، ويتملكون ، ويصبحون أصحاب أرضٍ من بعد الشتات .
الغرب كلهم ينبذون الصهاينة ، ويحتقرونهم ، وكافة أقطار اوروبا طردتهم ، وحاولت جاهدة التخلص منهم . وأتت بهم بريطانيا عندنا لتخلص اوروبا منهم . وزرعوهم شوكة في خاصرة الوطن العربي .
الغرب يساند الصهاينة ليس حُباً ، ولا تأييداً ، بل يساندوهم لسببين هامين :— الأول :— خوفاً من سطوتهم الإقتصادية والإعلامية وإنقياداً لها . والثاني :— لإبعادهم عن أوطانهم بسبب كرههم لهم .
ما زالت فلسطين مُحتلة ، وما زال العدو يغرز أنيابه السامة في جسدها الطاهر المقدس عند المسلمين والمسيحيين . وما زلنا كعرب كغثاء السيل . وما زال الهوان يسيطر علينا . وما زال الذلّ نهجنا . وما زال النهوض العربي بعيد المنال .
( غصّات ) وليست غصّة واحدة تسبب فيها حزيران لدى كل عربي حُرّ منتمٍ لوطنه وعروبته . و ( هنّات ) وليست هنّة واحدة تكتنف قلب وعقل ووجدان الأحرار من العرب . و( ونّات ) و ( أنّات ) وليست ونّة او أنّة واحدة تجتاح الأنفُس للتعبير عن الغيظ ، والقهر ، والشعور بالذلّ . والأسوأ ، والأخطر ان لا أمل يبدو في الأفق ، ولا نيّة في البال للنهوض والإرتقاء ، والثأر لكرامة هُدِرتْ ، وشرفٍ دُنِّسْ ، وأرضٍ سُلِبتْ .
وما زال حزيران كما هو ، لم يتغير ، ويمر علينا كل عامٍ ليذكرنا بهزيمتنا ، وخيبتنا . وما زلنا نحن كما نحن أذلاء خانعين مستسلمين . والعدو الصهيوني وحده هو الذي يعربد ، ويقضم الأرض ، ويقتل الإنسان ، ويقتلع الأشجار ، وكل يومٍ هو في حال .
لكن لابد ان نُبقي على جذوة الأمل بالنصر وإستعادة فلسطين وكافة الأراضي العربية المحتلة من تركيا وايران ، الى ان يأتي يوم الإنتصار ولو بعد طول إنكسار ، وكلي ثقة في أمتنا العربية ، رغم توالي الهزائم ، ولا بد الا ويأتي يوم لتتحول أتراحنا الى أفراح ، بإذن الواحد الأحد ، الفرد الصمد .

