صراحة نيوز- ا.د احمد منصور الخصاونة
تشرفت بتلقي دعوة لترؤس المجلس الاستشاري لكلية تكنولوجيا المعلومات في جامعة جدارا، وهي مسؤولية أعتز بها، لما تمثله من فرصة للإسهام في تعزيز العلاقة بين الجامعة وقطاع الصناعة، ودعم مسيرة الكلية نحو مزيد من التميز والابتكار.
حضرت الاجتماع الأول للمجلس، وعدت منه بانطباع مختلف تمامًا عما كنت أتوقع. فقد وجدت أمامي مؤسسة أكاديمية تعيش حالة من الحراك والتطور، وتعمل وفق رؤية واضحة وطموحة على مختلف الصعد.
منذ لحظة الوصول، كان الاستقبال الكريم من عطوفة رئيس الجامعة، ونائب الرئيس، وعميد كلية تكنولوجيا المعلومات، رسالة واضحة بأن الجامعة تؤمن بالشراكة الحقيقية مع الخبراء وأصحاب الاختصاص، وتحرص على أن يكون للمجلس الاستشاري دور فاعل في رسم ملامح المستقبل.
أما الاجتماع نفسه، فقد اتسم بالجدية والثراء. فقد امتدت جلساته لنقاشات معمقة تناولت واقع الكلية، وخططها المستقبلية، وسبل تطوير البرامج الأكاديمية بما يواكب احتياجات سوق العمل والتطورات المتسارعة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي. والأجمل من ذلك أن الحوار لم يكن مقتصرًا على الجانب الأكاديمي، بل شارك فيه ممثلون عن قطاع الصناعة، وأعضاء هيئة التدريس، والطلبة، في نموذج يعكس ثقافة الانفتاح واحترام جميع الآراء.
لقد لمست اهتمامًا حقيقيًا بالاستماع إلى مختلف وجهات النظر، ورغبة صادقة في تحويل الأفكار إلى خطط قابلة للتنفيذ، وهو ما يؤكد أن الجامعة لا تكتفي بمواكبة التغيير، بل تسعى إلى أن تكون شريكًا في صناعته.
وكان من أبرز ما لفت انتباهي الفكر المستنير والرؤية المستقبلية التي يقود بها رئيس الجامعة ونائبة وفريقة الاداري مسيرة التطوير. فقد لمست وضوحًا في الأهداف، وإيمانًا بأن جودة التعليم لا تتحقق إلا من خلال التكامل بين الجامعة والمجتمع وقطاع الأعمال، والاستثمار في الطلبة باعتبارهم رأس المال الحقيقي للمستقبل.
إن الجامعات المتميزة لا تُقاس فقط بمبانيها أو تجهيزاتها، مهما بلغت حداثتها وفخامتها، بل تُقاس أولًا بقيادتها الواعية، ورؤيتها الاستراتيجية، وثقافة العمل المؤسسي التي تسود أروقتها، وقدرتها على صناعة بيئة تعليمية تُلهم الطلبة وأعضاء هيئة التدريس معًا. وهذا ما وجدته حاضرًا بوضوح في جامعة جدارا.
فإذا كان هذا هو المعيار الحقيقي للتميز، فما بالك عندما تجتمع القيادة الواعية مع بنية تحتية ضخمة وحديثة؟ لقد وجدت حرمًا جامعيًا فسيحًا يبعث على الفخر، بمبانٍ أكاديمية كبيرة ومجهزة، وساحات رحبة، وملاعب ومرافق متكاملة، تعكس حجم الاستثمار في توفير بيئة جامعية تليق بطالب العلم، وتمنحه كل ما يحتاجه من مقومات النجاح والتميز.
ولم يكن المشهد العمراني وحده هو ما لفت الانتباه، بل ذلك التنوع الإنساني والثقافي الذي يملأ أرجاء الجامعة. طلبة من مختلف الجنسيات، جاءوا من دول متعددة ومن أقاصي الأرض، يجمعهم هدف واحد هو طلب العلم واكتساب المعرفة في بيئة أكاديمية تحترم التنوع، وتؤمن بأن اختلاف الثقافات يثري التجربة التعليمية ويصنع شخصية أكثر انفتاحًا وقدرة على التواصل مع العالم.
وفي ظل هذا التنوع، تواصل الجامعة العمل على تطوير بيئتها التعليمية بصورة مستمرة، من خلال تحديث الخطط الدراسية لتواكب المتغيرات العالمية، وربط البرامج الأكاديمية باحتياجات سوق العمل، وتعزيز البحث العلمي بوصفه ركيزة أساسية للتنمية والابتكار، إلى جانب الانفتاح على الشراكات المحلية والإقليمية والدولية التي تتيح للطلبة وأعضاء هيئة التدريس فرصًا أوسع للتعاون والتبادل العلمي واكتساب الخبرات.
لقد شعرت بأن الجامعة لا تنظر إلى الطالب باعتباره متلقيًا للمعرفة فحسب، بل باعتباره مشروع قائد ومبتكر وصانع تغيير، ولذلك فإنها تسعى إلى تزويده بالعلم، والمهارة، والخبرة، والقيم، ليكون قادرًا على المنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية، والإسهام في بناء اقتصاد المعرفة الذي أصبح عنوان العصر.
إن ما رأيته في جامعة جدارا يؤكد أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر وحده، بل في الإنسان والعقل والفكرة. وعندما تلتقي القيادة الطموحة مع الإمكانات المادية، وتتكامل الرؤية مع الإرادة، تصبح الجامعة أكثر من مجرد مؤسسة للتعليم العالي؛ تصبح منارة للعلم، وبيئة للإبداع، وحاضنة للمواهب، ومركزًا لإعداد أجيال تمتلك الثقة والمعرفة والقدرة على صناعة المستقبل.
وأغادر الاجتماع الأول وأنا أكثر تفاؤلًا وثقة بأن كلية تكنولوجيا المعلومات تمتلك مقومات كبيرة لتحقيق إنجازات نوعية خلال السنوات القادمة، وأن المجلس الاستشاري سيكون، بإذن الله، منصة حقيقية لتبادل الخبرات، وتعزيز التعاون بين الجامعة وقطاعات التكنولوجيا المختلفة، بما يخدم الطلبة والوطن.
كل الشكر والتقدير لإدارة جامعة جدارا على حفاوة الاستقبال، وحسن التنظيم، وروح العمل الجماعي، وأتطلع إلى أن تكون هذه البداية لمسيرة مليئة بالإنجازات والنجاحات، وأن تبقى الجامعة نموذجًا للمؤسسات الأكاديمية التي تؤمن بأن التميز رحلة مستمرة، وأن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر قيمة واستدامة.

