طعنة في السيادة والهوية

5 د للقراءة
5 د للقراءة
طعنة في السيادة والهوية

صراحة نيوز- رامي المشاقبة يكتب

تحت قبة يُفترض أنها صوت الناس، يُوقع اليوم على شهادة وفاة حق مقدس. حقك في أرضك.
جاء قانون الملكية المعدل لسنة 2026 بغلاف ناعم: رقمنة ،تحديث إلكتروني ،وحل شيوع ، وتطوير وتشجيع استثمار .
لكن خلف الغلاف كانت هناك خنجران. خنجر في الأرض، وخنجر في الهوية.

هذه ليست تعديلات إدارية.
هذه قوانين تمس حقوق المواطنين الخاصة في وطنهم.
تمس السيادة.
وتمس الهوية.
وتدوس على دستور معطل بالإدراج .

الخنجر الأول كلمتان فقط دُستا في تعريف “الطريق”: “سكة الحديد”
بالأمس كانوا يأخذون “الربع القانوني” من أرضك مجاناً إذا شقوا شارعاً بجانبك. بحجة أنه يخدمك.
اليوم يريدون أن يطبقوا نفس المنطق على قطار بضائع.
الشارع يفتح لك باب رزق. أما السكة فهي جدار حديدي يغلق كل الأبواب.
سياج يقسم الأرض نصفين، ويعزل المزارع عن بئره، والبيت عن جاره، والقرية عن مدينتها.
يحول الدونم من أرض منتجة إلى مقبرة. لا تُزرع ولا تُباع ولا تُورث.
هذا ليس تطويراً. هذا قتل جغرافي موثق.

وقد بدأ القتل فعلاً قبل التشريع.
صادقوا على استملاك أكثر من 3,499 دونم “للسكة”. منها 2,179 دونم لـ 76 عائلة أردنية.
أرض آباء وأجداد. عرق ودم وخبز.
والآن يريدون شرعنة النهب: يأخذون ربعها بلا ثمن، ويتركون لك الباقي جثة.

أين الدستور؟
الدستور يقول لا استملاك إلا للمنفعة العامة وبمقابل تعويض عادل.
لكنهم وضعوه في الإدراج وشرّعوا ضده.
والطامة الكبرى أن تحت هذه القبة يُباع الوطن ببصمة.
بعض أعضاء مجلس الشعب لا يقرأون، لا يفهمون، لا يناقشون.
يُلقى عليهم القانون ليلاً، فيبصمون عليه فجراً.
يرفعون أيديهم كما يُرفع الحجر، ويصادقون على تشريدك كما تُصادق على ورقة حضور.
مصير الأرض، ومصير العرض، ومصير الأجيال القادمة… تُحسم ببصمة جاهل أو متواطئ.
هؤلاء لا يمثلونك. هؤلاء يدفنونك وأنت حي.

فأين العدل في أن تُسلب وأنت حي، وأن تُكافأ على وطنيتك بالتشريد؟
أي سيادة هذه التي تُبنى على أنقاض بيوتنا؟
وأي كرامة تبقى لمواطن تُنتزع أرضه ثم يُقال له “لأجل الوطن”؟

والوجع الأكبر أن غالبية الأردنيين اليوم غرباء في وطنهم.
مشردون. مجرد رقم في هوية. لا يملكون شبراً في هذا البلد.
مواطن فقط على الورق، وعند شعارات الوطنية.
يُطلب منه أن يصفق وهو جائع، وأن يدافع عن تراب وهو مشرد، وأن يهتف للوطن وهو لا يملك فيه متراً يسكنه.
أي وطنية هذه التي تبدأ بتجويع صاحبها ثم تطلب منه أن يموت لأجلها؟

الخنجر الثاني أعمق.
طعنة في السيادة والهوية.
فتح باب تملك غير الأردنيين في كل شبر من الأردن.
لا حدود، لا خط أحمر، لا استثناء.
“ضوابط مرنة” لبيع الكوشان على الورق.
شقق بالدولار قبل أن تُبنى.
يسمونها استثمار.
وأي استثمار هذا الذي يبدأ ببيعك وينتهي بطردك من وطنك؟

ابن الأرض الذي سلبت أرضه للسكة لن يستطيع شراء متر في المشروع الذي سيقام فوق جمجمته.
السعر بالدولار، والمشتري غريب، والقرار في مكتب خارج الحدود.
اليوم شقة، وغداً حي مغلق لا تدخله إلا بإذن.
اليوم مستثمر، وغداً من يملك الأرض يملك القانون، ومن يملك القانون يملك الشارع، ومن يملك الشارع يملك قرارك ومستقبل أولادك.
هذه ليست سياسة اقتصادية. هذا استبدال سكاني ناعم.
تفريغ ممنهج للأردني من أرضه، واستبداله بمن لا تربطه بهذا التراب ذاكرة ولا دم.

سكة الحديد تأخذ منك بالقوة.
وبند التملك يبيع ما تبقى منك بالتراضي.
النتيجة واحدة: مواطن بلا أرض، بلا قرار، بلا هوية، بلا كرامة.

نحن لا نرفض التنمية ولا الاستثمار ولا التطوير.
نرفض أن يكون ثمنها كرامتنا وأرضنا.
نرفض أن يكون القطار فوق ظهورنا، وأن يكون الاستثمار على حساب سيادتنا.
التنمية الحقيقية تبدأ باحترام المواطن لا بسلبه.
وتبدأ بصون الوطن لا بفتح دفاتره للبيع.

لذلك الكلمة الأخيرة واضحة:
اشطبوا “سكة الحديد” من تعريف الطريق.
وامسحوها من القانون كما تُمسح العار.
أي استملاك للسكة يجب أن يكون كاملاً، بتعويض كامل وعادل، وقبل أن تُمس أرض واحدة.
منع تملك الأجنبي منعاً باتاً. بحدود التنظيم وبغير حدود التنظيم.
الأرض هوية.
الأرض ليست عقاراً ولا سلعة. الأرض أم. من يفرط بها يفرط بأمه.
الأرض دم سقته أمهاتنا، وخبز عجنه آباؤنا، وقبر ننام فيه نحن وأولادنا.
وأعيدوا القرار للأردنيين وحدهم . لا لسماسرة الوطن ولا للوسطاء .

من فرط بشبر اليوم، سيبحث غداً عن شبر يدفن فيه ما تبقى من كرامته… فلن يجده.
الأردن للأردنيين.
أرضاً لا تُباع، وهوية لا تُرهن، وكرامة لا تُشترى بثمن سكة.

شارك هذا المقال