صراحة نيوز- محمد فلاح الزعبي
لا أعتقد أن الأردن يمر اليوم بأزمة أشخاص، بقدر ما يمر بأزمة ثقة. فكلما تعاقبت الحكومات، وتبدلت المجالس النيابية، بقي السؤال ذاته يتردد في الشارع: هل تغير شيء جوهري في طريقة إدارة الدولة أو في مكافحة الفساد أو في تحسين حياة المواطن؟
من هنا، أطرح رؤية شخصية قد يختلف معها كثيرون، لكنها تستحق النقاش.
أرى أن البداية الحقيقية لأي مرحلة إصلاحية تقتضي إعادة ضبط المشهد السياسي بالكامل، عبر حل مجلس النواب والحكومة معًا، وفتح صفحة جديدة بعيدًا عن إعادة إنتاج الوجوه والسياسات نفسها.
أما المرحلة التالية، فأرى أن تكون هناك حكومة انتقالية ذات مهمة محددة وزمن واضح، تتولى أولويات لا تحتمل التأجيل، وفي مقدمتها فتح جميع ملفات الفساد دون استثناء، وملاحقة كل من يثبت تورطه وفق أحكام القانون، واستعادة هيبة الدولة، وترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق المساءلة. وبغض النظر عن شكل هذه الحكومة أو طبيعتها، فإن الأهم هو أن تتمتع بالكفاءة والاستقلالية وأن تعمل ضمن الإطار الدستوري والقانوني.
فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالشعارات، بل يبدأ عندما يشعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع، وأن المال العام مصان، وأن النفوذ لم يعد وسيلة للإفلات من المحاسبة.
وبعد إنجاز هذه المرحلة الانتقالية، ينبغي العودة مباشرة إلى الشعب من خلال انتخابات نيابية حرة ونزيهة وشفافة، تفرز مجلسًا يعبر عن الإرادة الشعبية الحقيقية، ويكون قادرًا على إنتاج حياة سياسية أكثر نضجًا ومسؤولية.
ثم تأتي الخطوة الأهم، وهي تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة إنقاذ، تضم أصحاب الكفاءة والخبرة من مختلف الاتجاهات، بحيث يكون معيار المشاركة هو القدرة على الإنجاز لا الانتماء أو المحاصصة.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهض إلا عندما تتوافر الإرادة السياسية، وسيادة القانون، والعدالة، والمحاسبة، والمؤسسات القوية. وعندما يشعر المواطن بأن وطنه يقدم المصلحة العامة على كل اعتبار، فإنه سيكون أول المدافعين عنه وأول المشاركين في بنائه.
قد تبدو هذه الرؤية للبعض طموحة، وللبعض الآخر صعبة التطبيق، لكنها في النهاية مجرد اجتهاد سياسي قابل للنقاش، لأن بقاء الأوضاع على ما هي عليه ليس خيارًا إذا كان الهدف هو استعادة الثقة بين الدولة والمواطن.
ويبقى الشعار الذي أؤمن به دائمًا:
الوطن أولًا… والمواطن أولًا.

