صراحة نيوز – كتب الدكتور علي نايل العزام
_في ملتقى “تنمية العقول” بالجامعة الأردنية… كلمة واحدة من طبيبة أعادت تعريف المواطنة والدولة والهوية_
عندما يتحول الفكر من قاعات مغلقة إلى شهادة حياة، تسقط كل الأطروحات. هذا ما حدث في الجامعة الأردنية، خلال الجلسة الختامية لملتقى الأساتذة الفخريين بعنوان *”تنمية العقول والنهوض بالبشرية”*. جلسة لم تكن محاضرة، بل كانت محاكمة للفكرة، واستعادة للذاكرة، وترسيماً لمعنى الوطن.
الغرب ومرآته المكسورة
استهل الجلسة التي أدارها باقتدار الأستاذ الدكتور أحمد مجدوبة المفكر رضوان السيد. جاء بخطابٍ فلسفي عميق، يفكك “رؤية العالم” كما يراها الغرب. تحدث عن الإسلام في مخيلة الآخر، وعن صناعة “الأصولية” كفزاعة سياسية منذ نهاية العقد السابع من القرن الماضي.
تحدث عن كيف اختزل الغرب ديناً امتد لأربعة عشر قرناً، وأسس حضارة، في صورةٍ واحدة باهتة تُعرض في نشرات الأخبار. وتحدث عن التيارات الإسلامية، لا بوصفها ظاهرة دينية فحسب، بل بوصفها نتاجاً لتاريخ وسياسة واستعمار وبحث عن هوية.
وتبعه متحدثون، كلٌ من زاويته. حللوا، وفسروا، وربطوا بين الانتماء الديني والانتماء الوطني، وسألوا السؤال الذي يؤرق العالم العربي منذ سايكس-بيكو: هل تتعارض الأديان مع فكرة الدولة الوطنية؟ هل يمكن للإيمان أن يسكن في بيت المواطنة دون أن يحرقه؟
نقطة نظام بحجم وطن
وسط هذا الزحام الفكري، وقف الدكتور عبدالرحمن الكيلاني، عميد كلية الشريعة في الجامعة الأردنية. لم يسترسل. لم يبرر. قالها كلمة فصل:
*”المسلم المؤمن الحق مواطن صالح، والمسيحي المؤمن الحق مواطن صالح. لا تناقض بين المحراب والبرلمان، ولا بين الصليب والهلال وراية الوطن.”*
جملة واحدة اختزلت أطروحات، وأسقطت نظريات، وأعادت البوصلة إلى مركزها: الدين لا يلغي الدولة، والدولة لا تلغي الدين. كلاهما يغذي الآخر حين يُفهم بميزان العدل.
نجوى خوري: حين تتكلم الذاكرة بصوت الحقيقة
لكن اللحظة التي سكنت القاعة، والتي ستُكتب في سجل هذا الملتقى بحروف من نور، كانت مع الدكتورة نجوى خوري، أستاذة طب الأطفال في الجامعة الأردنية.
تحدثت وهي لا تحمل أوراقاً، ولا إحصائيات. حملت عمرها. حملت نابلس في صوتها.
روت رحلتها إلى الولايات المتحدة للدراسة. وعندما أنهت تخصصها، التف حولها زملاؤها المسيحيون الأمريكيون بقلقٍ نبيلٍ لكنه ملوثٌ بصورة نمطية:
“نجوى، ابقي معنا. لا تعودي إلى الأردن. نحن نخاف عليكِ. هناك أصولية إسلامية. هناك اضطهاد. أنتِ مسيحية وسط مسلمين.”
فسكتت لحظة. ثم أجابت إجابة هزت جدران القاعة:
*”أنا عائدة إلى أهلي. إلى من حملوني طفلة. إلى من كبرت في كنفهم. إلى جيراني الذين هم أهلي.”*
ثم ذهبت إلى الأبعد. إلى الوجع الأقدس. روت جنازة والدها رحمه الله في نابلس. وقالت: “من وقف على باب العزاء؟ من واساني؟ من حمل معي الحزن؟ كانوا جيراني المسلمين. كانوا أهل الحارة. كانوا إخوتي.”
هنا لم تعد الدكتورة نجوى تتحدث عن “التعايش السلمي” كمصطلح جاف في كتب العلوم السياسية. كانت تتحدث عن خبزٍ كُسر على مائدة واحدة، وعن دمعةٍ مُسحت على كتفٍ واحد، وعن وطنٍ واحدٍ دُفن فيه الأب.
وقالت جملتها التي يجب أن تُدرّس:
“مسيحيو الشرق ليسوا أقلية تُحصى في التعداد. نحن جزء من نسيج هذه الحضارة. من لغتها، ومن طينها، ومن وجعها، ومن مجدها. وطنيتنا ليست منحة من أحد. هي فطرة، وهي تاريخ، وهي دم.”
في دقيقة واحدة، أسقطت الدكتورة نجوى كل كتب الاستشراق. ردت على كل خطاب الكراهية. لم تجادل في الفكرة… عاشتها. ولم ترد على السؤال… فضحت أن السؤال نفسه عنصري.
عبيدات: الدولة بوتقةٌ تصهر ولا تذيب
واختتم رئيس الجامعة الأردنية *الأستاذ الدكتور نذير عبيدات* أعمال الملتقى بكلمة كانت بمثابة بيان فكري.
تحدث عن “الدولة الوطنية” لا بوصفها حدوداً على الخارطة، بل بوصفها *بوتقة كبرى*. لا تذيب الخصوصيات، بل تصهرها. لا تلغي الانتماءات، بل تحولها إلى سبيكة واحدة اسمها “المواطنة”.
دولة لا تمتحنك في صلاتك، بل في عطائك. لا تسألك عن عقيدتك، بل عن ولائك لترابها. دولةٌ يكون فيها المؤمنون بكل الأديان نسيجاً وطنياً واحداً، لا غالب فيه ولا مغلوب.
لماذا هذه الجلسة مهمة؟
قد يقول قائل إن تأثري بهذه الجلسة نابع من تخصصي الأكاديمي واهتمامي البحثي بقضايا الهوية والدولة. وهذا صحيح. مع العلم ان الملتقى تضمن جلسات متعددة خول مواضيع اخرى ساتناولها في مقالات لاحقة .
لكن الحقيقة الموضوعية المجردة تقول: ما تقوم به الجامعة الأردنية اليوم هو فعل مقاومة ثقافية من الطراز الرفيع.
في زمن تتكسر فيه الأوطان على صخرة الطائفية، وفي زمن يُصدر لنا العالم صورة عنا أننا “نعيش على صفيح ساخن”، تأتي الجامعة الأردنية وتقول: لا. نحن نعيش على أرضية صلبة اسمها الأخوة.
تحية تقدير للدكتور نذير عبيدات على هذه الرؤية. وتحية للدكتور أشرف أبو كركي، نائب رئيس الجامعة والمنسق العام للملتقى، على هذا التنظيم والإبداع.
لقد أثبتم أن النهوض الحقي لا يكون فقط بالمختبرات والأبحاث العلمية، بل بالكلمة التي تعيد للإنسان تعريفه بنفسه.
كلمةٌ من القلب إلى القلب
شكراً للدكتورة نجوى خوري.
شكراً لأنك لم تدافعي عنا بالنظريات. دافعتِ عنا بحكاية أبيك.
شكراً لأنك ذكرتِ العالم، وذكرتِنا، بأن أعظم فكرة في هذا الشرق ليست في كتاب، بل في جنازةٍ حضرها الجار المسلم ليعزي جارته المسيحية.
ما قالته الدكتورة نجوى لم يكن مداخلة في جلسة.
كان شهادة ميلاد جديدة للفكرة. الوطنية
وكان رداً أردنياً أصيلاً على كل من يراهن على تفتيتنا: نحن هنا منذ 5000 عام، وسنبقى هنا معاً.

