حين تتسع المسافة بين المواطن وصناعة القرار: أي معنى يبقى للتمثيل السياسي؟

4 د للقراءة
4 د للقراءة
حين تتسع المسافة بين المواطن وصناعة القرار: أي معنى يبقى للتمثيل السياسي؟

صراحة نيوز ـ بقلم محمد جمعة الخضير

تبدأ أزمة التمثيل السياسي في اللحظة التي يشعر فيها المواطن بأن المسافة بين صوته والقرار الذي يصدر باسمه بدأت تتسع. فالانتخابات تمنح المؤسسة المنتخبة شرعيتها الأولى، غير أن استمرار هذه الشرعية يرتبط بقدرتها على إبقاء العلاقة حية بين المجتمع وصناعة القرار، وبين التفويض الشعبي والممارسة السياسية التي تنعكس على حياة الناس.
فالتمثيل السياسي في جوهره يتجاوز لحظة الاقتراع، لأنه يقوم على فكرة أعمق تتمثل في أن المواطن لا يمنح صوته فقط لاختيار ممثلين، انما يمنحهم مسؤولية التعبير عن مصالحه والدفاع عن القضايا التي تمس شعوره بالعدالة والأمان والانتماء. وعندما تتسع الفجوة بين هذه الوظيفة وبين الواقع العملي، تبدأ الأسئلة حول معنى التمثيل وحدوده وجدوته من الأساس
ضمن هذا الإطار، فإن الجدل الذي رافق التعديلات المرتبطة بقانون الملكية العقارية، وما أثير حول استملاك الأراضي لغايات مشروع سكة الحديد وآليات التعويض، يحمل أبعادًا تتجاوز النقاش القانوني المباشر. فالقضية تكشف جانبًا من العلاقة المعقدة بين متطلبات الدولة التنموية وحقوق الأفراد، وبين قدرة المؤسسات السياسية على إدارة التوازن بين المصلحة العامة والمصالح الاجتماعية التي تشكل جزءًا من استقرار المجتمع.
يتفهم احتياج الدولة الحديثة إلى مشاريع كبرى تعزز قدرتها على التطور وتحسين بنيتها الاقتصادية والخدمية، غير أن نجاح هذه المشاريع يرتبط كذلك بالطريقة التي تُدار بها علاقتها بالمواطنين. فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تمتلك القدرة على اتخاذ القرار، بل التي تستطيع بناء قبول اجتماعي حول هذا القرار من خلال العدالة والوضوح والشعور بأن الأعباء موزعة بصورة متوازنة
فالملكية في الوعي الاجتماعي ترتبط جذورها بذاكرة الإنسان ومسار حياته وتراكم جهده وشعوره بالأمان تجاه المستقبل. لذلك فإن أي تدخل يمس هذا المجال يحمل أبعادًا اجتماعية وضريبة سياسية تتجاوز حدود الإجراءات، لأنه يتصل بعلاقة المواطن بالدولة وبالثقة التي تقوم عليها هذه العلاقة.
العقد الاجتماعي في الدولة الحديثة يقوم على إدراك متبادل بين السلطة والمجتمع؛ فالمواطن يقبل بدور الدولة في تنظيم الشأن العام وتحقيق المصلحة العامة عندما يشعر بأن حقوقه محفوظة، وأن القرارات الكبرى تُدار ضمن إطار من التوازن والمسؤولية. وعندما يغيب هذا الشعور، تظهر مسافة بين المواطن والمؤسسات التي يفترض أنها تمثله.
هنا تتضح الوظيفة الأساسية للمجلس النيابي. فالتمثيل الحقيقي يرتبط بقدرت النائب على تحويل صوت الناخب إلى حضور داخل عملية صنع القرار. فالنائب يحمل تفويضًا سياسيًا، لكنه يحمل معه كذلك مسؤولية تجاه المجتمع الذي منحه ثقته، خصوصًا عندما تتعلق القضايا بتشريعات تمس حياة المواطنين وحقوقهم.
وتبدأ أزمة التمثيل عندما يشعر المواطن بأن القرار الذي يؤثر في واقعه لم يمر عبر مسار سياسي يعكس صوته أو يأخذ مصالحه بعين الاعتبار. عندها يتحول الانتخاب من علاقة سياسية قائمة على المشاركة والمساءلة إلى ممارسة إجرائية محدودة تنتهي بانتهاء يوم الاقتراع.
كما أن آثار القرارات ذات الحساسية الاجتماعية لا تنتهي عند لحظة إقرارها، تمدد وتترسخ كجزء من الذاكرة السياسية للمجتمع. فالناخب يدخل كل دورة انتخابية بجردة حساب تحمل معها رصيدًا من التجارب والمواقف التي تحدد نظرته إلى الأحزاب والقوى السياسية والأشخاص.

في المحصلة، فإن السؤال الذي تطرحه هذه الحالة يتجاوز قانونًا أو مشروعًا محددًا، ليصل إلى جوهر الفكرة السياسية للتمثيل: ما الذي يمنح المؤسسة المنتخبة معناها الحقيقي؟ هل تكمن قيمة التمثيل في الوصول إلى الموقع، أم في القدرة على حماية الإرادة العامة بعد الوصول إليه؟

شارك هذا المقال