مجالس المحافظات بعد إلغاء الانتخاب المباشر: هل تتقدم الإدارة وتتراجع الديمقراطية؟

7 د للقراءة
7 د للقراءة
مجالس المحافظات بعد إلغاء الانتخاب المباشر: هل تتقدم الإدارة وتتراجع الديمقراطية؟

مشروع قانون جديد يعيد رسم شكل الإدارة المحلية، ويفتح سؤالاً مهماً: كيف نوازن بين كفاءة الإدارة وحق المواطن في اختيار من يمثله؟*

صراحة نيوز- بقلم: اللواء المتقاعد
طارق عبدالمحسن الحباشنة

لم يكن إقرار مجلس النواب لمشروع قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 مجرد إقرار لقانون جديد، بل خطوة تعيد رسم العلاقة بين المواطن والإدارة المحلية. فالمشروع، الذي أقره المجلس بأغلبية الأصوات ويتكون من 70 مادة، أبقى الانتخاب المباشر للمجالس البلدية، لكنه غيّر بصورة أساسية طريقة تشكيل مجالس المحافظات. وبدلاً من انتخاب أعضائها مباشرة من المواطنين، أصبحت تركيبتها تضم رؤساء البلديات وممثلين عن النقابات والقطاعات التجارية والزراعية والمجتمعية، إلى جانب المرأة والشباب وذوي الإعاقة.

ومن الإنصاف أن نقول إن المشروع يحمل أفكاراً إيجابية تستحق الدعم. فهو يريد أن ينقل البلدية من دورها التقليدي في تقديم الخدمات اليومية إلى دور أكبر في التنمية والاستثمار والتخطيط، ويعزز الحوكمة والرقابة والمساءلة، ويفصل بصورة أوضح بين دور المجلس المنتخب والجهاز التنفيذي. كما يوسع مشاركة المرأة والشباب، ويشجع على التخطيط الذي يبدأ من احتياجات المناطق والأحياء، وصولاً إلى وضع خطط تنموية للمحافظة. وهذه خطوات مهمة إذا تحولت من نصوص قانونية إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية. *لكن هنا تبرز مسألة تحتاج إلى إجابة واضحة من الحكومة: إذا كانت المشكلة الأساسية في التجربة السابقة تتعلق بضعف الصلاحيات والموارد والتنسيق والتنفيذ، فلماذا كان الحل هو إلغاء الانتخاب المباشر لمجالس المحافظات؟ ألم يكن بالإمكان معالجة هذه المشكلات، مع الإبقاء على حق المواطن في اختيار ممثليه، وإضافة الخبرات والقطاعات التي يحتاجها المجلس؟* فالإصلاح الإداري لا يعني بالضرورة التخلي عن أداة الانتخاب، كما أن وجود الخبراء لا يحتاج إلى إبعاد المواطن عن صندوق الاقتراع.

لكن السؤال الأهم يبقى: *ماذا تغير عندما لم يعد المواطن ينتخب عضو مجلس المحافظة مباشرة*؟ الفرق بسيط في شكله، لكنه كبير في معناه. في السابق كان المواطن يذهب إلى صندوق الاقتراع ويختار الشخص الذي سيمثله في مجلس المحافظة، ثم يستطيع محاسبته في الانتخابات التالية. أما الآن، فإن جزءاً كبيراً من أعضاء المجلس يصلون من خلال البلديات والنقابات والغرف والقطاعات والمؤسسات المختلفة. وهذا يعني أن المواطن ما زال شريكاً في الحياة المحلية، لكنه لم يعد يختار ممثله في مجلس المحافظة بشكل مباشر.

وهنا يجب أن نكون منصفين أيضاً؛ فالمشروع لم يلغِ الديمقراطية المحلية، ولم يلغِ الانتخابات البلدية. كما أن النموذج الجديد يحاول توسيع التمثيل وإدخال أصحاب الخبرة والقطاعات المختلفة إلى مجلس المحافظة. لكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي *أن الديمقراطية المحلية على مستوى المحافظة انتقلت من الانتخاب المباشر إلى التمثيل غير المباشر*. وهذا ليس تفصيلاً إدارياً بسيطاً، بل تغيير في طريقة وصول صوت المواطن إلى المكان الذي تُناقش فيه أولويات المحافظة ومشاريعها. ولهذا فمن الطبيعي أن يسأل المواطن: *هل سيمثل عضو مجلس المحافظة أبناء محافظته، أم الجهة التي اختارته لعضوية المجلس؟*

«*الإصلاح الحقيقي ليس أن نستبدل صوت المواطن بالخبرة، ولا أن نستبدل الخبرة بصوت المواطن؛ وإنما أن نجعل الاثنين شريكين في صناعة القرار المحلي.»*

وهذا السؤال أصبح أكثر أهمية بعد أن رفض مجلس النواب تعديلات اللجنة الإدارية المتعلقة بتشكيل مجلس المحافظة، وعاد إلى النص الحكومي في المادة (37)، كما شهدت الجلسة انسحاب نواب كتلة حزب الأمة احتجاجاً على إقرار المادة. *وهذا يعكس أن الخلاف لم يكن حول مادة فنية عابرة، وإنما امتد إلى الطريقة التي يجب أن تُبنى بها شرعية مجلس المحافظة ودوره في الحياة المحلية. وهنا يبرز سؤال آخر أمام مجلس النواب نفسه: إذا كانت اللجنة الإدارية قد درست المشروع وأدخلت تعديلات على المادة (37)، فما الذي جعل المجلس يعود إلى النص الحكومي في هذه المادة تحديداً؟ وما الضمانة بأن الانتقال من الانتخاب المباشر إلى التمثيل غير المباشر سيحقق نتائج أفضل من التجربة السابقة*؟ هذه ليست أسئلة سياسية للمزايدة، وإنما أسئلة تشريعية مشروعة، لأن تغيير طريقة اختيار مجلس المحافظة يمس علاقة المواطن مباشرة بمؤسسة يفترض أنها تمثله.

وفي رأيي، لا ينبغي أن نضع الكفاءة في مواجهة الديمقراطية، وكأن الأردن مضطر إلى اختيار واحدة منهما. نحن بحاجة إلى الخبرة، ونحتاج إلى تمثيل النقابات والقطاعات وأصحاب الاختصاص، لكننا نحتاج أيضاً إلى صوت المواطن ومساءلته المباشرة. وربما كان الحل الأفضل هو الجمع بين الاثنين: *مجلس محافظة منتخب مباشرة من المواطنين، مع إضافة نسبة محددة من الخبراء وممثلي القطاعات المنتخبة*. بهذه الصيغة نحافظ على الشرعية الشعبية، ونضيف إليها الخبرة التي تحتاجها عملية التخطيط والتنمية، بدلاً من التعامل مع الكفاءة والانتخاب وكأنهما خياران متعارضان.

أما الحديث عن وجود شبهة دستورية، فيحتاج إلى دقة ومسؤولية. فليس من الصحيح أن نصدر حكماً مسبقاً بأن المشروع مخالف للدستور، لأن الفصل في دستورية النصوص له جهاته المختصة. لكن من حق الجميع أن يطرح سؤالاً دستورياً وسياسياً مشروعاً حول معنى المشاركة الشعبية في المجالس المحلية، *خصوصاً أن مشروع القانون يمنح مجلس المحافظة الشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري*. والأوسع من ذلك أن يبرز سؤال يتعلق بمسار التحديث السياسي نفسه: *إذا كان الهدف هو توسيع مشاركة المواطن في صناعة القرار، فهل يتسق تقليص الانتخاب المباشر على مستوى المحافظات مع هذا الاتجاه*؟ لا أطرح السؤال باعتباره حكماً مسبقاً على المشروع، وإنما باعتباره دعوة إلى التأكد من أن الإصلاح الإداري والسياسي يسيران في الاتجاه نفسه، لا في اتجاهين متعارضين.

وفي النهاية، الأردن لا يحتاج إلى العودة إلى تجربة اللامركزية السابقة بكل ما رافقها من مشكلات، لكنه أيضاً لا يحتاج إلى علاج ضعف الإدارة بإبعاد المواطن عن الانتخاب المباشر لمجلس المحافظة. المطلوب هو لامركزية أكثر كفاءة، وأفضل تخطيطاً، وأقوى رقابة، وأكثر قدرة على جذب الاستثمار وتحقيق التنمية، ولكنها في الوقت نفسه قريبة من المواطن وتسمح له بأن يشعر أن صوته ما زال مؤثراً. *فنجاح المشروع لن يقاس بعدد مواده، وإنما بقدرته على تحقيق المعادلة الأصعب: أن تكون الإدارة أكثر كفاءة، والقرار أكثر قرباً من الناس، والمواطن شريكاً حقيقياً في صناعة مستقبل محافظته.*

شارك هذا المقال