حين التقت مصلحة الحكومة بمصلحة النواب في مجالس المحافظات!!!

4 د للقراءة
4 د للقراءة
حين التقت مصلحة الحكومة بمصلحة النواب في مجالس المحافظات!!!

صراحة نيوز- بقلم: د. ثابت المومني

يمكن قراءة التوجه الأخير المتعلق بمجالس المحافظات باعتباره نقطة التقاء واضحة بين مصلحة الحكومة ومصلحة عدد كبير من النواب، وإن اختلفت دوافع كل طرف. فالحكومة تبدو أكثر ارتياحًا لبقاء القرار التنفيذي والمالي المتعلق بمخصصات المحافظات ومشاريعها ضمن نطاق سيطرتها، بينما يرى بعض النواب أن مجالس المحافظات سحبت منهم جزءًا مهمًا من دورهم الخدمي وأضعفت حضورهم المباشر أمام ناخبيهم.

ومن هنا، فإن أي تغيير يعيد تركيز القرار التنفيذي بيد الحكومة، ويحد من قدرة مجالس المحافظات على التحرك المستقل في ملف المشاريع والخدمات، قد يكون محل ترحيب نيابي؛ لأنه يعيد المواطن مرة أخرى إلى باب النائب طلبًا للخدمة والوساطة والمتابعة.

منذ إنشاء مجالس المحافظات، بدأت معادلة العمل الخدمي المحلي تتغير تدريجيًا. فقد أصبحت هذه المجالس شريكًا في تحديد الأولويات والمشاريع داخل المحافظات، وبات المواطن يرى أمامه جهة محلية منتخبة تتحدث عن الطرق والمدارس والمراكز الصحية وشبكات المياه والبنية التحتية وغيرها من الاحتياجات اليومية.

هذا الدور، مهما كانت الملاحظات على تجربة مجالس المحافظات، أدى عمليًا إلى تقليص جزء من الحاجة التقليدية إلى النائب في الملفات الخدمية. فالمواطن الذي كان يلجأ إلى النائب لمتابعة مشروع أو طريق أو مدرسة أو خدمة عامة أصبح لديه ممثل آخر في مجلس المحافظة يتابع هذه الملفات بصورة مباشرة وعلى المستوى المحلي.

وهنا بدأ بعض النواب يشعرون، بشكل أو بآخر، بأن جزءًا من حضورهم الشعبي ووزنهم أمام قواعدهم الانتخابية قد تراجع. فمكانة النائب في الوعي الشعبي الأردني ارتبطت لسنوات طويلة، للأسف أو بحكم الواقع، بقدرته على متابعة الخدمات والضغط على الوزارات والمؤسسات، لا بالدور التشريعي والرقابي وحده.

وعندما أصبحت مجالس المحافظات قادرة على تبني مشاريع خدمية ومتابعتها وإدراجها ضمن الأولويات، لم يعد المواطن مضطرًا في كل مرة إلى المرور عبر النائب، وهو ما قد يكون قد ولد شعورًا لدى بعض النواب بأن جزءًا من نفوذهم التقليدي قد انتقل إلى مستوى آخر من التمثيل المحلي.

لذلك فإن أي توجه يؤدي إلى إضعاف استقلال مجالس المحافظات أو إعادة تركيز القرار التنفيذي والمالي بيد الحكومة يمكن أن يخدم، من زاويتين مختلفتين، الطرفين معًا.

الحكومة تستفيد من بقاء السيطرة الأوسع على المخصصات والمشاريع وآليات التنفيذ، بينما يستفيد النواب من عودة المواطن إليهم بوصفهم قناة رئيسية للضغط على الحكومة والمطالبة بالخدمات.

وهكذا تلتقي المصالح رغم اختلاف الأهداف: الحكومة تريد قبضة أقوى على القرار التنفيذي، وبعض النواب يريدون استعادة الدور الخدمي الذي بدأت مجالس المحافظات تنتزع جزءًا منه.

المفارقة أن الخاسر الأكبر من هذه المعادلة قد يكون مبدأ اللامركزية نفسه. ففكرة مجالس المحافظات قامت أساسًا على نقل جزء من القرار التنموي إلى أبناء المحافظات، وتمكينهم من تحديد أولوياتهم بعيدًا عن المركزية الشديدة في العاصمة.

أما إذا بقيت المخصصات والقرارات التنفيذية الفعلية محكومة من المركز، وتحولت مجالس المحافظات إلى أجسام محدودة التأثير، فإننا نكون قد احتفظنا بالشكل الانتخابي للامركزية، بينما أفرغناها من جزء كبير من مضمونها.

المطلوب ليس خلق صراع بين النائب وعضو مجلس المحافظة، بل تحديد الأدوار بوضوح: النائب مشرّع ورقيب على الحكومة، ومجلس المحافظة أداة للتخطيط التنموي المحلي وتحديد الأولويات ومتابعة تنفيذها.

أما إعادة خلط الأدوار بحيث يعود النائب إلى دور “نائب الخدمات”، وتبقى الحكومة صاحبة اليد الأطول في مخصصات المحافظات ومشاريعها، فإن ذلك قد يحقق مصالح سياسية آنية، لكنه لا يبني إدارة محلية قوية، ولا يحقق اللامركزية التي وُعد بها المواطن.

شارك هذا المقال