صراحة نيوز – بقلم: إيناس الحبانين
على إثر قرار مجلس الوزراء باستملاك أراضٍ زراعية في غور الصافي وفيفا لصالح مشروع إنشاء خط سكة حديد، وجدت نفسي أفكر في أولئك الذين لا يملكون سوى قطعة أرض يعيشون منها. بعيدًا عن لغة الأرقام والمخططات، هناك حكايات بشر، وأسر بنت حياتها على هذه الأرض، وتستيقظ كل صباح وهي تعلم أن رزقها يبدأ من حبة تراب.
أنا لا أنظر إلى القضية من زاوية معارضة التنمية، فالأردن بحاجة إلى مشاريع استراتيجية تدعم اقتصاده وتخلق فرصًا للنمو. لكنني أؤمن أيضًا أن التنمية لا يجوز أن تتحول إلى عبء على الفئات الأضعف، ولا أن يكون الكادح هو أول من يدفع ثمنها وآخر من يُلتفت إلى حقوقه.
ما يثير القلق أن القرار يمس عشرات الأسر التي تعتمد على الزراعة مصدرًا وحيدًا للعيش، في وقت يعيش فيه المزارع الأردني أصلًا حالة من عدم اليقين؛ من ارتفاع كلف الإنتاج، إلى تحديات التسويق، إلى ضعف الحماية الاجتماعية. وفي خضم كل هذه الظروف، يأتي الاستملاك ليضيف سؤالًا جديدًا: ماذا بعد الأرض؟
لا أتحدث هنا عن قيمة الدونم، بل عن قيمة الحياة التي بُنيت فوقه. فالأرض ليست أصلًا ماليًا بالنسبة للمزارع، بل هي عمله، وأمانه، ومستقبل أبنائه. ومن الصعب أن نقنع إنسانًا أفنى سنوات عمره في زراعة أرضه بأن مبلغًا ماليًا، مهما بلغ، قادر على تعويض هذا الارتباط أو تأمين مستقبل أسرته.
وإذا كانت المصلحة العامة تقتضي تنفيذ المشروع، فإن العدالة تقتضي في المقابل حماية المتضررين حماية حقيقية. فالإنصاف لا يكون فقط بدفع تعويض، بل بضمان ألا تتحول عشرات الأسر إلى ضحايا لقرار لم يكونوا طرفًا في صناعته. التعويض العادل يجب أن يحفظ كرامة الإنسان، ويمنحه القدرة على بناء حياة جديدة، لا أن يتركه يواجه المجهول.
لقد علّمتنا التجارب أن التنمية التي تتجاهل الإنسان تفقد جزءًا كبيرًا من معناها. فنجاح أي مشروع لا يقاس فقط بعدد الكيلومترات التي تُنجز أو حجم الاستثمار الذي يجذبه، بل يقاس أيضًا بمدى احترامه لحقوق الناس الذين يعيشون على هذه الأرض.
وأمام ما نشهده اليوم من حراك نيابي ومجتمعي للمطالبة بمراجعة بعض جوانب القرار وضمان حقوق المتضررين، يبقى الأمل أن يكون صوت المزارعين حاضرًا، وأن تُمنح العدالة المساحة التي تستحقها في أي خطوة مقبلة.
لأن الأوطان لا تُبنى بالمشاريع وحدها، بل تُبنى أيضًا بحماية الإنسان الذي يزرع أرضها ويصون خيرها.
قد يمر القطار فوق هذه الأرض يومًا، لكن لا ينبغي أن يمر فوق حقوق الناس وكرامتهم. فالتنمية التي لا تنصف الكادحين، تبقى تنمية ينقصها أهم عناصرها… الإنسان.
إيناس الحبانين

