صراحة نيوز – الاستاذه اماني اشرف
هل كل من ارتكب جريمة يجب أن يُسجن؟ سؤال قد يبدو صادمًا، لكنه في جوهره سؤال عن العدالة نفسها.
لأن العدالة لا تُقاس بعدد الأبواب التي أُغلقت خلف المحكوم عليهم، ولا بعدد السنوات التي قُضيت داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، وإنما بقدرتها على تحقيق الردع، وحماية المجتمع، وإصلاح من أخطأ، ومنع الجريمة من أن تتكرر. ومن هنا لم يعد الحديث عن بدائل العقوبات السالبة للحرية ترفًا تشريعيًا أو مجاملة للجاني، وإنما أصبح جزءًا من تطور السياسة العقابية في الأردن.
المشرّع الأردني اتجه إلى إعادة النظر في فلسفة العقوبة، فالعقوبة البديلة ليست إسقاطًا للحكم، وليست عفوًا، وليست تصريحًا للمحكوم عليه بأن يفلت من نتائج فعله؛ إنها عقوبة قضائية تُنفذ بطريقة مختلفة. وقد نظمت المادة (25 مكررة) من قانون العقوبات بدائل متعددة، منها الخدمة المجتمعية، والبرامج التأهيلية، والبرنامج العلاجي من الإدمان بموافقة المحكوم عليه، والمراقبة الإلكترونية، وحظر ارتياد أماكن أو مناطق جغرافية محددة، والإقامة في المنزل أو منطقة جغرافية محددة كليًا أو جزئيًا مع إمكانية اقترانها بالمراقبة الإلكترونية. كما يجوز للمحكمة أن تقرن البديل بمنع السفر أو بتعهد بعدم التعرض أو التواصل مع أشخاص أو جهات معينة.
الخدمة المجتمعية ليست إعفاءً، والمراقبة الإلكترونية ليست حرية مطلقة، والإقامة الجبرية أو حظر ارتياد أماكن محددة ليست تساهلًا، والبرامج التأهيلية ليست محوًا للجريمة من سجل صاحبها. إنها أدوات عقابية لها قيودها والتزاماتها وآليات تنفيذها. بل إن القانون يجرّم العبث أو إتلاف الأدوات المستخدمة لتنفيذ بدائل العقوبات بقصد التخلص من التدبير المفروض، ويقرر لذلك عقوبة قد تصل إلى الحبس مدة لا تزيد على سنة أو الغرامة أو كلتيهما، إضافة إلى إلزام الفاعل بقيمة الأدوات المتلفة.
ولكن… هل كل محكوم عليه يستطيع الحصول على عقوبة بديلة؟
لا.
فالبدائل ليست حقًا تلقائيًا لكل من صدر بحقه حكم بالحبس، وإنما تخضع لشروط ونطاق قانوني محدد، مع مراعاة ظروف الدعوى والحالة الاجتماعية وحالات التكرار والاستثناءات التي حددها القانون.
وتشير وزارة العدل إلى أن نطاق التطبيق يشمل الجنح وفق الشروط القانونية، كما يمتد في حالات محددة إلى بعض الجنايات التي لا تتجاوز العقوبة المحكوم بها فيها الحدود التي حددها القانون.
لكن الإصلاح لا يعني التساهل، والرحمة لا تعني إسقاط هيبة القانون.
فالمحكوم عليه بعقوبة بديلة يظل خاضعًا لحكم قضائي، وتفرض عليه التزامات ورقابة وقيود حقيقية. بل إن وزارة العدل تؤكد أن الإخلال بتنفيذ العقوبة البديلة يعيد المحكوم عليه إلى العقوبة الأصلية، ما يعني أن البديل ليس فرصة للتهرب من الحكم، وإنما فرصة مشروطة بالالتزام.
وهنا تظهر مسؤولية القضاء بصورة أكثر حساسية؛ لأن نجاح العقوبات البديلة لا يكمن في زيادة عدد المستفيدين منها، وإنما في اختيار الشخص المناسب للعقوبة المناسبة. فقرار استبدال الحبس لا ينبغي أن يكون مجرد تخفيف للعقوبة، وإنما قرارًا قضائيًا يستند إلى دراسة حقيقية لشخصية المحكوم عليه وظروف الجريمة ومدى خطورته وإمكانية إصلاحه، مع عدم المساس بحقوق المجني عليه أو أمن المجتمع
إن بدائل العقوبات السالبة للحرية لا تمثل خروجًا على مبدأ العقاب، وإنما تمثل تطورًا في السياسة العقابية من عقوبة تقوم على سلب الحرية كغاية، إلى عقوبة تُقاس بمدى تحقيقها للردع والإصلاح وحماية المجتمع. فالمشرّع حين أجاز للمحكمة استبدال العقوبة السالبة للحرية، لم يفتح باب الإفلات من المسؤولية الجزائية، وإنما وضع نظامًا قانونيًا استثنائيًا مقيدًا بشروط وضوابط واستثناءات، مناطه تقدير القضاء لظروف الجريمة وشخصية المحكوم عليه ومدى خطورته وإمكانية إصلاحه.
وعليه، فإن معيار نجاح البدائل لا يكون بمجرد تقليل أعداد المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية، وإنما بمدى قدرتها على تحقيق الردع الخاص، والحد من العود إلى الجريمة، وحماية المجتمع، وضمان عدم المساس بحقوق المجني عليه.

