العفو العام… حين تكون السماحة قوة للدولة لا ضعفًا للقانون

5 د للقراءة
5 د للقراءة
العفو العام... حين تكون السماحة قوة للدولة لا ضعفًا للقانون

صراحة نيوز – بقلم: زياد فرحان المجالي

أحترم كل رأي يرى في تكرار العفو العام مسألة تستحق الحذر والنقاش، وأتفهم الخشية من أن يتحول العفو، إذا أسيء استخدامه، إلى رسالة خاطئة تمس هيبة القانون أو تشجع البعض على الاعتقاد بأن العقوبة يمكن أن تسقط في كل مرة.

لكنني، في المقابل، أرى العفو العام من زاوية أخرى؛ زاوية عرفها الأردن في محطات عديدة من تاريخه، وهي سماحة الدولة حين تملك القدرة على العقاب، ثم تختار أن تفتح بابًا للرحمة والإصلاح من دون أن تظلم صاحب حق أو تعرض المجتمع للخطر.

هذه السماحة ليست غريبة عن النهج الهاشمي. فقد كان الهاشميون، في الوجدان الأردني، الخيمة التي يلتقي تحتها أبناء المجتمع على اختلاف ظروفهم ومواقفهم، وكانت المكارم الملكية دائمًا تحمل معنى يتجاوز القرار الإداري إلى رسالة اجتماعية تقول إن الدولة لا تنظر إلى مواطنيها بأرقام الملفات وحدها، بل ترى الإنسان وظروفه وفرصته في أن يبدأ من جديد.

ولهذا فإن النقاش بالنسبة إليّ ليس: هل نريد العفو العام أم لا؟ بل: من الذي يجب أن يشمله العفو، ومن الذي يجب ألا يشمله؟

بالتأكيد، لا يجوز أن يتحول العفو إلى اعتداء على حقوق الآخرين. فمن سرق حق إنسان، أو اعتدى على حياته أو ماله، أو ارتكب جريمة خطرة، لا يجوز أن يكون العفو عنه على حساب الضحية. حقوق الناس ليست ملكًا للحكومة حتى تتنازل عنها.

كما أن تجار المخدرات ومروجيها وأصحاب الأتاوات ومرتكبي الجرائم الخطرة والمتكررة ليسوا الفئة التي أتحدث عنها حين أدافع عن العفو.

أنا أتحدث عن وجه آخر للمسألة.

أتحدث عن إنسان تراكمت عليه غرامات أو التزامات مالية وهو لا يملك القدرة على دفعها، وربما لن يستطيع دفعها مهما انتظرنا. وعن مواطن تقدم به العمر، وأصبح على أبواب نهاية العمر، فيما بقي ملف قديم أو غرامة أو قضية بسيطة تطارده وتحرمه من الاستقرار. وعن متعثر لم يكن مجرمًا بطبيعته، وإنما دفعته ظروفه الاقتصادية والاجتماعية إلى مأزق لم يعد قادرًا على الخروج منه.

ماذا تكسب الدولة من إبقاء مثل هذا الإنسان أسيرًا لملف لن يُحصَّل منه شيء؟

هل هيبة الدولة أن تبقي العاجز عاجزًا، أم أن قوة الدولة تظهر أحيانًا حين تعرف أين تكون العقوبة ضرورة، وأين تصبح الرحمة أكثر عدلًا وفائدة للمجتمع؟

في قيمنا الدينية أيضًا مساحة واسعة لهذا المعنى. يقول الله تعالى: «فمن عفا وأصلح فأجره على الله»، والعفو هنا لا يعني إلغاء العدالة، بل يرتبط بالإصلاح. كما أن ثقافتنا العربية والإسلامية لم تنظر إلى التسامح باعتباره ضعفًا، وإنما باعتباره فضيلة حين يكون قادرًا على إصلاح الإنسان من دون الإضرار بغيره.

ولهذا فإنني مع عفو عام مدروس، لا عفو مفتوحًا بلا ضوابط.

عفو يستبعد الجرائم الخطرة والاعتداءات على حياة الناس وأموالهم وحقوقهم الشخصية، ويمنح الأولوية للقضايا التي لا تنطوي على خطر حقيقي على المجتمع، وللغرامات والالتزامات التي تراكمت على أناس أثبت الواقع أنهم عاجزون عن الوفاء بها.

بل يمكن أن يكون العفو أكثر دقة، بحيث يفرّق بين المجرم المحترف وبين صاحب العثرة، وبين من يملك المال ويرفض الدفع وبين من لا يملك أصلًا ما يدفعه، وبين من يشكل خطرًا على المجتمع وبين من أصبحت قضيته عبئًا عليه وعلى الدولة معًا.

القانون مهم، وهيبته ضرورة، ولا دولة بلا قانون. لكن الدولة ليست قانونًا مجردًا من الروح الإنسانية. فالعدالة نفسها لا تقوم فقط على العقوبة، وإنما على التناسب والإنصاف والإصلاح.

والأردن الذي عرف عبر تاريخه معنى التسامح والمكارم الهاشمية، يستطيع أن يصوغ عفوًا لا يهدم القانون، بل يؤكد أن القانون قادر أيضًا على أن يكون رحيمًا.

لسنا بحاجة إلى فتح أبواب السجون لمن يهدد أمن المجتمع، ولا إلى إسقاط حقوق الناس، وإنما إلى فتح نافذة لمن انتهت قضيته عمليًا وبقيت قيوده معلقة فوق حياته.

العفو، حين يوضع في مكانه الصحيح، لا ينتقص من هيبة الدولة؛ بل قد يكون أحد أرقى مظاهر قوتها. لأن الدولة القوية هي التي تعرف متى تعاقب… ومتى تعفو.

شارك هذا المقال