صراحة نيوز – د. عبد الفتاح طوقان
أطلقوا علينا اليوم بعض كتاب مواقع التواصل من الجيل الحالي لقب “الختيار والختياره”، ولكننا في الحقيقة أبناء جيلٍ استثنائي لن يتكرر. وُلدنا في الخمسينيات والستينيات، وعشنا طفولتنا سعداء في زمن كانت فيه الحياة أبسط وأصدق، حيث كانت المشاعر أقرب إلى القلب.
نحن الجيل الذي عاش بين عالمين؛ وُلدنا في عالم تناظري وامتد شبابنا إلى عالم رقمي. عبرنا سبعة عقود، شهدنا فيها تحولاتٍ لم تشهدها أي أجيال أخرى. كبرنا في زمن كانت فيه العلاقات الإنسانية أغلى من الممتلكات، وكانت القيم تُغرس في البيوت والمدارس.
أتذكر أيام المدرسة، كيف كنا نمشي تحت حرارة الشمس وبرد الشتاء، نحمل حقائبنا دون تذمر. كنا نستذكر الدروس كما لو كانت قصائد حب، ونجحنا دون دروس خصوصية أو وسائل مساعدة حديثة. كانت الأخطاء تعلمنا أكثر مما تعلمنا الكتب. كان شعور الفخر يملؤنا عندما يُطلب منا توصيل الطباشير إلى الصف المجاور. كنا كأننا سفراء، نحمل رسالة من العالم الآخر.
تخيلوا معي زمنًا بلا هواتف ذكية، بلا آيباد، بلا تلفزيونات ملونة. كنا نلعب الكرة والبلي والمونوبولي والبصرة، ألعاب بسيطة اغلبها ورقية تُشعل فينا روح المنافسة والمرح. لم تكن هناك ألعاب تأخذ منا حياتنا، بل كنا نستمتع بكل لحظة، نضحك ونتشارك الأوقات الجميلة.
عشنا في زمن لم يكن فيه إنترنت أو طائرات نفاثة. كنا ننتظر رسائل الأصدقاء مع ساعي البريد بملابسه الوظيفية الرمادية وحقيبته الجلدية المحملة برسائل الحب والغرام بشغف، لم يكن هناك هوت ميل ولا ياهو ميل، ونعد الأيام حتى يأتي البريد. كنا ننتظر عربة الذرة المسلوقه مع رشه ملح او عربه البطاطا الحلوة الساخنة او غزل البنات نجتمع حولها اولاد وبنات الحاره لتبادل نظرات الأعين وهمسات الحب فلم يكن قد وصل فالنتين بعد وحفلات الفنادق. كنا نبحث عن المعلومة في الكتب والمراجع ونسأل من هو أكبر منا وأساتذتنا الكرام بالمدرسة فلم يكن التشات جي بي تي قد وصل الي إيدينا.
لم نكن نعرف مكبرات الصوت أو السيارات ذات الدفع الرباعي المكيفة؛ سيارات بلا أزرار كهربائية لفتح النوافذ ولا يوجد بها راديو. كانت الحياة أكثر هدوءًا، وأكثر قربًا من الطبيعة. كنا نركب دراجاتنا الهوائية ونستمتع بكل لحظة.
لم نعرف تلك التقنيات الحديثة التي تسهل كل شيء، تخيلوا لم يكن هناك بلو توث ولا كار بلاي!!. كنا نتوجه إلى العيادات بقلوب مطمئنة، نثق في الأطباء الذين كانوا يستخدمون أدوات بسيطة، ويعتمدون على خبراتهم أكثر من الأجهزة المتطورة التى تسهل تشخيص العلاج، لم تكن هناك ترمومتر يقيس الحراره عن بعد، بل كان قلما من الزجاج به زئبق يوضع تحت اللسان لمده دقيقه. كانت الأدوية تعالجنا بصدق، وكنا نتعلم كيف نعتني بأنفسنا بالطرق الطبيعية.
ومع ذلك، ما يميز جيلنا حقًا هو القيم التي نشأنا عليها. كنا نحترم الكبار، ونرفع الفتات من الأرض لنضعه على جباهنا، ونقبل قطع الخبز ونبداء طعامنا بكلمة بسم الله تقديرًا للنعمة. كنا نحترم الوالدين والمعلمين والجيران، ونتشارك الطعام والأسرار مع الأصدقاء.
كانت طفولتنا آمنة، كنا نلعب في حوش البيت او حديقة المدرسة او في النادي،وننام الساعه ٧:٣٠ مساءا، وفي نهاية الأسبوع نجلس مع الاهل والأصدقاء في فناء المنازل تحت ضوء القمر، نتبادل القصص فلم يكن هناك قصص مقروءه على يوتيوب، وأقصى شيء كان ان نعد النجوم حتى يغلبنا النعاس. لم تكن هناك مكيفات واجهزة تبريد، كنا نجتمع حول صوبة (دفاية يتم وضع الكاز – الكيروسين بها لتشتعل نارها) وفوقها إبريق الشاي مع أعشاب الميرامية إلى انظهرت منافستها الدفاية التى على انبوبة الغاز.
ومع كل هذه الذكريات الجميلة، نجد أنفسنا اليوم نتعلم دروسًا جديدة. الوقت لا يتوقف؛ تمر الأيام بسرعة، وكأنها لمحة من البصر. نبحث عن أصدقاء لم يعد لهم وجود، وحنيننا لأيام قد ولت يملأ قلوبنا ذكريات العشق والحب لزمن جميل.
لذا، لا تؤجل ما تحب إلى الغد. لا تؤجل كلمة طيبة، أو زيارة عزيز، أو لحظة فرح مع أحبابك. الأبناء يكبرون، والسنوات تمضي، وما يبقى في النهاية هو الذكريات الجميلة والأشخاص الذين شاركونا تلك الحياة.
نحن لسنا مجرد “الاختيار والختياره”، بل نحن جيل صنعته التجارب، وعلمه الزمن كيف يحافظ على إنسانيته في زمن التغيير. لم نكن نعرف البقشيش في المحلات ولا الطعام الجاهز والأوبر درايف لتوصيل الطعام. كنا نركب سيارات السرفيس المرسيدس التى تحمل خمس اشخاص دون أن نشتكي ولم يكن هناك تكسيات الأوبر ذات الدرجات الخاصة. كانت امهاتنا تغسل الملابس وتستخدم الزهرة لتبيضها فلم يكن هناك غسالات أتوماتيكية ونشافات وكانت الشمس على الأسطح كفيلة بتنشيف الملابس.
العلاقة بين الناس في زمن “الاختيار والختياره” كانت تحمل طابعًا خاصًا يميزها عن الوقت الحالي. كانت اللقاءات المباشرة هي الوسيلة الأساسية للتواصل. الناس كانوا يجتمعون في المنازل، في الساحات العامة، أو حتى في المدارس. الأحاديث كانت تتسم بالحميمية، حيث كان يتم تبادل المشاعر والأفكار دون حواجزً وليس رسائل الواتس اب والسجنال والتليجرام والذي جعلالتواصل أكثر افتراضيًا مع ظهور الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي. كثير من الناس يعتمدون على الرسائل النصية والمكالمات عبر الأنترنت اليوم، مما قلل من عمق العلاقة.
كانت العلاقات الإنسانية تُبنى على الثقة والاحترام. الناس كانوا يتشاركون الأسرار والذكريات، وكانت المجاملات والتعاون علامة فارقة في المجتمعات.
بينما اليوم العلاقات قد تبدو أكثر سطحية في بعض الأحيان. ومع انشغال الناس بتقنيات التواصل الحديثة، اصبحت تقنيات انفصال وبدات تتضاءل أواصر الصداقة الحقيقية ويعيش افراد الاسرة في جفاء مما يؤدي إلى شعور بالعزلة رغم سهولة الاتصال.
كانت القيم مثل الاحترام، التعاون، والمشاركة تُغرس في النفوس منذ الطفولة. الكبار كانوا يُعتبرون قدوة، وكان هناك تقدير كبير للوالدين والمعلمين ومع تغير الأجيال وتأثرت هذه القيم وازدادت الضغوطات الاجتماعية والتغيرات الثقافية العى تؤثر على كيفية تطبيقها.
كانت الأنشطة المشتركة مثل اللعب امام المنزل والذهاب إلى السوق، أو تنظيم الحفلات وأعياد الميلاد في البيوت تُعزز الروابط الاجتماعية الأنشطة المشتركة فلم يكن هناك امازون وعلي بابا وسوق دوت كوم وغيرها من مواقع التواصل للشراء دون مغادرة المكان، حيث بات يُفضل الكثيرون قضاء الوقت مع الهاتف الذكي والعالم الافتراضي في أنشطة فردية أو عبر الشاشات، مما قلل من التفاعل المباشر وانعزل الفرد عمن حوله.
في جيلي الذي يطلقون عليه ” جيل الختيار والختياره” كان هناك شعور قوي بالمجتمع، حيث كان الأفراد يدعمون بعضهم البعض في الأوقات الصعبة. كان الجيران والأصدقاء يتعاونون في الأزمات اليوم الدعم الاجتماعي اختفى ولم يعد موجودًا، وتحولت منصات الإنترنت لطلب مساعدة لا تحمل اي عاطفة أو اهتمام، مما قد جعل الدعم يبدو أقل شخصية.
العلاقات في زمن “الختيار والختياره” كانت تُعبر عن عمق الإنسانية، حيث كانت القيم والمبادئ تُعزز من الروابط الحقيقية. اليوم، رغم أن التكنولوجيا قد وفرت لنا وسائل جديدة للتواصل، إلا أن العودة إلى تلك البساطة في العلاقات الإنسانية قد تكون مفتاحًا لتجديد الروابط العميقة التي نحتاجها في حياتنا.
تحية إجلال واعتزاز لكل أبناء هذا الجيل الجميل. جيل عاش البساطة، وأدرك قيمة الزمن، وتعلم أن أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه، بل ما عشناه وما تركناه من أثر طيب في قلوب من أحببنا.
فالوقت لا يعود أبداً، واليوم هو يومك، ولم نعد في عمر التأجيل. فلنستمتع بكل لحظة، ولنجعل من حياتنا لوحةً ملونة بالحب والذكريات، حيث يتراقص الحنين على أنغام الماضي الجميل، ونكتب سطورًا جديدة من الفرح والأمل في قلوبنا.
“ختيار ختيار ” او ” الجيل القديم ” او ” كبار السن ” سمونا كما شئتم لكنهما ختيار وختياره عاشوا كل دقيقه في النهار واستمتعوا بحياة طبيعية مليئة بالناس والهواء النقي والروح ولم ينعزل ويدفن اي منهما في “اي فون ١٨ ولا سامسونج ألترا ٢٦” ، عاشوا اللحظات وشعروا بها ولمسوها بيدهما وعقلهما “حقيقية لا صورا افتراضية ” وهذه هي لذه الحياة التى لايعرفها من أطلقوا علينا لقب “الختيار والختياره” .
إذا لم تصدقوني اسألوا تشات جي بي تي التى اخذت محل ” عند جهينة الخبر اليقين“، ودمتم.

